عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ"مَنْ تَصَدَّقَ ‌بِعَدْلِ ‌تَمْرَةٍ ‌مِنْ ‌كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يتقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ"؛ رواه البخاري.

عناصر الشرح

المعنى الإجمالي للحديث


يخبر النبيُّ أنَّ اللهَ تعالى يُضاعف جزاء الصدقة لعبده، شريطة أن تكون من كسبٍ طيبٍ، فإنَّه سبحانه لا يقبل إلَّا الطيب، فإذا تصدق العبدُ تقبَّلها اللهُ تعالى، وضاعفها لعبده حتى تكون مثل الجبل العظيم.

الشرح المفصل للحديث


يُبين النبيُّ أنَّ من تصدَّق بصدقةٍ ولو يسيرةٍ، كعدل تمرة، شريطة أن يكون ذلك من الكسب الطيب الحلال،

كما قال سبحانه

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}

[البقرة: 267]

إلَّا تقبَّله اللهُ تعالى، وضاعفَه له أضعافًا كثيرةً، كما يُرَبِّي أحدُنا مُهْرَه، حتى يكون مثل الجبل أو أكبر من ذلك.

وعَدْلُ الشيءِ بالفتح والكسر: المِثل والنظير، فإن فتحت العين فهو مِثلُه من غير جنسِه، وبالكسر: مثلُه من جنسه[1].

وإنما اشترط اللهُ تعالى في الصدقة أن تكون من الكسب الطيب؛ لأنَّه إن كانت من حرامٍ كانت من غير ماله، واللهُ تعالى إنما أوجب على العبد أن ينفق من مالِه هو، لا من مالِ غيره، والكسب الطيب هو ما رضيه الشرع وأقرَّه، حيث أتى من طرقٍ طيبةٍ مقبولة، فإذا أنفق العبدُ من هذا المال، فهذا الذي يُقبل منه ويؤجر عليه، ويُضاعف له ثوابه[2]. وفي الحديث: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ»[3].

وأَخْذُ اللهِ تعالى الصدقة باليمين محمولٌ على ظاهرِه، كما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ كما ذكره الترمذيُّ رحمه الله[4]. واختصاصُ ذلك بيمينه سبحانه واضحٌ؛ فإنَّه دليلُ القبول،

كما قال تعالى

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}

[التوبة: 104]

وتربيةُ اللهِ تعالى للصدقةِ معناه المضاعفة؛ فإنَّ التربيةَ القيامُ على الشيءِ وإصلاحُه بالمعاهدة له[5]. ويُمكن أن يكون ذلك بمُضاعفة الأجر والثواب،

كقوله تعالى

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}

[البقرة: 261]

ويُمكن أن يكون ذلك بمضاعفة الشيءِ نفسه، فتكون التربيةُ على وجهها، ويُنَمِّي اللهُ تعالى الشيءَ ذاتَه حتى يثقل في الميزان[6].

وإنما ذكر رسول الله ﷺ  الفَلُوَّ -وهو المُهْر- لأنه جرت عادة الناس بتنميته وتكبيره رجاء زيادته. ولأنه يزيد زيادةً بينةً، ولأن الصدقةَ نتاجُ عمله، ولأن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته، ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلى التربية وهو فطيم، فإذا أحسن القيام وأصلح ما كان منه فاسدًا انتهي إلى حد الكمال. وكذلك عمل ابن آدم، لا سيما الصدقة التي يجاذبها الشح ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومةً بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدق العبد من كسبٍ طيبٍ مستعد للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فإذا تصدق فلا يزال ينظر الله إليها يُكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب، حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصابٍ تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل[7].


المراجع

  1. انظر: " أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)" للخطابي (1/ 754)، "الميسر في شرح مصابيح السنة" للتوربشتي (2/ 441).
  2. "الإفصاح عن معاني الصحاح" لابن هبيرة (6/ 257).
  3. أخرجه مسلم (224)، عن ابن عمررضي الله عنه.
  4.  قال الترمذي في "سننه" بعد حديث (662): " وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف. هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: "أَمِرُّوها بلا كيف"، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم".
  5. انظر: " مطالع الأنوار على صحاح الآثار" لابن قرقول (3/ 112).
  6.  "شرح الزرقاني على الموطأ" (4/ 663).
  7. "الميسر في شرح مصابيح السنة" للتوربشتي (2/ 441).


النقول


قال ابن العربي رحمه الله: ومصداق ذلك في

كتاب الله قوله

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}

[التوبة: 104]

وقوله

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}

[البقرة: 276]

وهذا من المعنى البديع أن يُفَسِّرَ الحديثُ بالقرآنِ، فعبر عن البائن في هذا المعنى عن مضاعفة الثواب على العمل. وكما يفعل في الصّدقة، كذلك يفعل في قيراط صلاة الجنازة، حتّى يجعل أصغره كأكبر جبلٍ وهو أحُد، وذلك من فضل الله على حسب ما يعلم من الصِّدق في النِّيَات، وخُلُوصِ الطَّويّات، والرّغبة في الخيرات، والمواظبة على الصّالحات. فالأعمالُ للأعمال كالبنيان يشُدْ بعضه بعضًا[1].

وقال ابن هبيرة رحمه الله: في هذا الحديث بعد ما تقدم ذكره أن الله سبحانه أخبرنا أنه يجزي المتصدقين بأحسن ما كانوا يعملون، وهو سبحانه يجزي المتصدقين بالتمرة حتى إنا لو قدرنا غرس النواة التي هي أدنى ما فيها في أزكى مغرس فصارت نخلة، ثم أثمرت فغرس النوى الخارج منها فصار من كل نواة نخلة ثم اتصل لله إلى يوم القيامة، ثم حسب ذلك التمر في وقت التصدق به بأوفر الأثمان في مكان لا يوجد فيه غيره، ثم يشترى بالثمن أرخص ما يوجد في موضعه، ثم بيع أعلى ما يوجد حتى يصبر مثل أحد مرارًا؛ فهذا معنى المضاعفة.

وقوله: (من كسب طيب)؛ فإن الله تعالى إنما يثيب العبد على ما أنفق من ماله، وإذا أنفق من مال مغصوب لم يكن قد أنفق ماله؛ إنما أنفق من مال غيره؛ فلم يكن من المنفقين أموالهم كما قال عز وجل: {الذين ينفقون أموالهم}؛ فإذا أنفق من ماله فهو الذي يأجره الله عليه، وذلك هو الكسب الطيب، وهو الذي يكسبه بالشرع، فقد طابت طرق حصوله، وينبغي له ألا يزدري النذر من الإنفاق؛ فإنه سيربو في التضعيف أضعاف ما يأمل المتصدق به[2].

وقال القرطبي رحمه الله: إنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرُّف فيه، فلو قبلت منه؛ لزم أن يكون مأمورًا به، منهيًا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتحرم الرقة والإخلاص، فلا تقبل الأعمال. وإشارة الحديث إلى أنه لم يقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيب بذاته[3].

وقال التوربشتي رحمه الله: إنما ضرب المثل بالفَلُوِّ لأنه يزيد زيادةً بينةً، ولأن الصدقةَ نتاجُ عمله، ولأن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته، ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلى التربية وهو فطيم، فإذا أحسن القيام وأصلح ما كان منه فاسدًا انتهي إلى حد الكمال. وكذلك عمل ابن آدم، لا سيما الصدقة التي يجاذبها الشح ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومةً بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدق العبد من كسبٍ طيبٍ مستعد للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فإذا تصدق فلا يزال ينظر الله إليها يُكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب، حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصابٍ تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل[4].

وقال الطيبي رحمه الله: قوله: (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة واردة علي سبيل الحصر بين الشرط والجزاء، تأكيدا، ومقرًا للمطلوب من النفقة، ولما قيد الكسب بالطيب أتبعه اليمين لمناسبة بينهما في الشرف، ومن ثم كانت يده اليمنى للطهور. وضرب المثل بالفلوّ الذي هو من كرائم النتاج، وأنه يفتلي، أي يفطم، وأنه أقبل للتربية من سائر النتاج؛ لأن الكسب الطيب من أفضل أكساب الإنسان، وأنه أقبل للمزيد، والمضاعفة. والخبيت الذي هو الحرام علي عكسه[5].

وقال الزرقاني رحمه الله: قال الأُبِّيُّ: القبول حصول الثواب على الفعل، إذ المعنى لا يثيب الله من تصدق بحرام، وإنما يصح الحج بالمال الحرام ; لأن القبول أخص من الصحة، لأنها عبارة عن كون الفعل مسقطا للفرض، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالحج بالحرام صحيح، إذ يسقط به الفرض وهو غير متقبل، أي لا ثواب فيه، ولا يتعقب هذا بأنه لا واجب إلا وفيه ثواب ; لأن رد الشيء المغصوب واجب، ولا ثواب فيه، ولا يشكل صحة الحج بالحرام بقول مالك في النكاح بالمال الحرام: "أخاف أن يضارع الزنا" لأن ذلك مبالغة في التنفير عنه، وإلا فالنكاح صحيح[6].


المراجع

  1.  "المسالك في شرح موطأ مالك" لابن العربي (7/ 595).
  2. "الإفصاح عن معاني الصحاح" لابن هبيرة (6/ 257).
  3. "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (3/ 59).
  4.  "الميسر في شرح مصابيح السنة" للتوربشتي (2/ 441).
  5. "شرح المشكاة" للطيبي (5/ 1540).
  6. "شرح الزرقاني على الموطأ" (4/ 662).

مشاريع الأحاديث الكلية