عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».

عناصر الشرح

غريب الحديث

مارج من نار: اللَّهَب المختلِط بسواد النار [1].

وُصِف لكم: أي: في القرآن الكريم.

المراجع

1. "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (4/ 315).

المعنى الإجماليُّ للحديث

تروي السيدة عَائِشَةُ رضي الله عنها عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال:

«خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»

أي: خُلقت الملائكة من نور، وخُلِق الجانُّ من لهب مختلِط بسواد دُخَان النار، وذَكَر الله تعالى في كتابه في مواضعَ متعدِّدةٍ وصف خَلْقِ آدمَ من طِين بأحواله: من ماء، ومن تراب، ومن المركَّب منهما وهو الطين، ومن صَلْصال كالفخَّار، وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالاً كالفخَّار.

الشرح المفصَّل للحديث

هذا الحديث يتحدَّث عن المادَّة التي خلق الله تعالى منها أجناسًا ثلاثة: الملائكة، والجنَّ، والإنس ممثَّلين في أبينا آدَمَ، فيبيِّن النبيُّ ﷺ في هذا الحديث صفةَ خَلْقِ الملائكة والجنِّ والإنس، وما فيه من دلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى، فيُخبِر ﷺ أن الملائكة خُلقت من نور؛ "فكانوا خيرًا محضًا" [1]، والنور هو الضوء الذي يُكتَسب من جسم آخَرَ؛ مثل نور القمر الذي يُكتَسب ضَوْءُه من الشمس. والملائكة: رُسُلُ اللَّه في خَلْقه وأَمْره، وسُفَرَاؤه بينَه وبَيْنَ عباده، "وهم خَلْقٌ من مخلوقات الله - عزَّ وجلَّ - لهم أجسامٌ نورانية لطيفة قادرةٌ على التشكُّل والتمثُّل والتصوُّر بالصور الكريمة، ولهم قوًى عظيمةٌ، وقدرةٌ كبيرة على التنقُّل، وهم خلقٌ كثير لا يَعلَم عددَهم إلا الله، قد اختارهم الله واصطفاهم لعبادته والقيام بأمره، فلا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمَرون، ومن صفاتهم: أنهم يتفاوتون في الخَلق والمقدار، فهم ليسوا على درجة واحدة، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستُّمائة جناح؛

قال تعالى:

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ 

[فاطر: 1]" [2].

وقد أعطاهم الله - عزَّ وجلَّ - القدرة على التشكُّل بالأشكال الحسنة، والتمثُّل في صورة البشر، فقد رأى الصحابةُ - رضوان الله علهم – جبريلَ - عليه السلامُ - حينما أتى النبيَّ ﷺ يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ولم يَرَ الملائكةَ في صورتهم التي خَلَقها الله - عزَّ وجلَّ - عليها إلا نبيُّنا محمدٌ ﷺ؛

فعن ابن مسعود رضي الله عنه:

«أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ»

[3]

وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ»

[4]

أما عن وظائفهم وأعمالهم، فهم جنود الله تعالى؛

كما قال تعالى:

وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ

[الفتح: 4]

فمنهم أمين الوحي جبريل عليه السلام، وهو مُطاعٌ عند الملائكة، وميكائيل الموكَّل بالسَّحاب والمطر، وإسرافيل الموكَّل بالنفخ في الصور، ومنهم خَزَنةُ جهنَّمَ؛ كما في

قوله تعالى:

عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ

[المدثر: 30]

وقوله تعالى:

وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِﱠ  

[المدثر: 31]

وذكر من أسماء هؤلاء مالكًا خازن النار؛

وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ

[الزخرف: 77]

ومنهم مَلَك الموت الموكَّل بقبض الأرواح، ومنهم ملائكةٌ موكَّلون بحفظ الإنسان من أمامه، ومن خلفه؛

كما قال تعالى:

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ 

[الرعد: 11]

ومنهم ملائكة موكَّلون بالأجنَّة في بطون الإناث، وكتابة رزق الجنين وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيد [5]، ويومَ القيامة يجرُّ منهم سبعون ألف مَلَك أَزِمَّة النار [6]، ومنهم من يَطُوفون في الطُّرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجتكم [7]، ومنهم من يصلِّي على من يجلس في مُصلَّاه ما لم يُحْدِث ويقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه [8]، ومنهم ملائكةٌ يتعاقبون بالليل والنهار ويجتمع ملائكة النهار وملائكة الليل في صلاة الفجر [9]، ويشهدون الصلاة ويردُّون خلف الإمام حينما يقول: سَمِع الله لمن حمده. فمن وافَقَ من المأمومين قولهم، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه [10]، ويومَ الجُمعة يقفون على أبواب المساجد يكتبون الأوَّلَ فالأولَ حتى إذا خرج الإمام طَوَوِا الصُّحف واستمعوا للذكر [11]، ويحُفُّون الذاكرين لله في المساجد [12]، ويرُدُّ الْمَلَك الموكَّل بكلِّ شخص إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، ويقول: "ولك بمثله" [13]، ويُباهي الله بهم عباده الواقفين في عرفات [14]، ويكونون حاضرين عند المريض ويؤمِّنون على ما يُقال عنده [15]، ومنهم من يَعمُرون السماواتِ بالعبادة لدرجة أن تَئِطَّ السماء منهم، ويحارب أفضلهم مع المسلمين كما حدث في بدر [16]، وتلعن من يُشير لأخيه بحديدة [17]، وتلعن المرأة التي تمتنع من فراش زوجها [18]، وتلعن من أحدث في المدينة حَدَثًا [19]، وتدافع عن النبيِّ ﷺ [20]، ويَحمُون المدينة من الطاعون والدجَّال [21]،

وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ 

[غافر: 7]

وهناك بعضُ الحيوانات عندها القدرةُ على رؤيتهم؛ مثل الدِّيَكة [22]، والأحصنة، ورآهم من البَشَر الرسول ﷺ، رأى جبريل مرَّتين بصفته الملائكية، وليس على صورة بَشَر: مرَّةً في بطحاء مكَّةَ، ومرَّةً عند سِدرة المنتهى.

ومن صفاتهم أنهم لا يَعصُون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويتراصُّون في الصفوف ويُتِمُّون الصفوف الأولى [23]، ويتأذَّوْنَ مما يتأذَّى منه بنو آدَمَ كرائحة الثَّوْمِ والبصل والكرَّاث [24] وينفِرون من الصور [25] والكلب والجرس [26]، ويدنون لسماع القرآن؛ كما حدث مع أُسيد بنِ حُضير أثناء قراءته البقرة ليلاً [27].

وحينما يؤمن الإنسان بوجود الملائكة، وأنهم يراقبونه في أفعاله وحَرَكاته وسكناته، ويسجِّلون ما يفعله الإنسان، فإن هذا يكون محفِّزًا له على فعل الطاعات، واجتناب المنكَرات؛ لأنه يَستشعِر بقُربهم منه، ووجودهم معه في كلِّ وقت؛

قال تعالى:

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ 

[ق: 18]

والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان؛ كما ورد في قوله تعالى:

لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ

[البقرة: 177]

وفي قوله تعالى:

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ 

[البقرة:285]

وكما ورد في حديث جبريل عليه السلام، حين سأل الرسولَ ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، "قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ؟ قَالَ:

«أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْت

[28]

فقد جاء الأمر بالإيمان بهم بعد الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وقبل الإيمان بالكُتب والرُّسل؛ ولتلك الأهمية يجب معرفتهم، ومعرفة ما يتعلَّق بهم [29].

وقد بيَّن ﷺ أن الجانَّ خُلِق من مارِجٍ من نار؛ أي: "من نار مختلِطة بهواء مشتعِل، والْمَرَج: الاختلاط، فهو من عُنصرين: هواءٍ ونار، كما أن آدَمَ من عنصرين: ترابٍ وماء عُجِن به فحَدَث له اسم الطين، كما حَدَث للجنِّ اسم المارج، والمراد بالجانِّ هنا: أبو الجن، أو إبليسُ" [30]، خُلقوا "من شُواظٍ ذي لهب واتِّقاد ودخَان، فكانوا شرًّا محضًا، والخيرُ فيهم قليل" [31].

والْجِنُّ حَقٌّ، وهم خَلْقٌ من خَلْقِ اللَّه - عزَّ وجلَّ - فيهم الكافِرُ والمؤمن، يَرَوننا ولا نراهم، يأكلون ويَنْسِلُون ويموتون؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عنهم أَنَّهُمْ قالوا:

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا

[الجن: 14 - 15]

وقال تعالى:

إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ 

[الأعراف: 27]" [32].

وخلق الله الجنَّ للغاية نفسِها التي خلق الإنسَ من أجلها؛

قال تعالى:

وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ

[الذاريات: 56]

فالجنُّ على ذلك مكلَّفون بأوامرَ ونَواهٍ، فمن أطاع رضيَ الله عنه، وأدخَلَه الجنَّة، ومن عصى وتمرَّد، فله النارُ، يدلُّ على ذلك نصوصٌ كثيرة؛ قال تعالى مخاطبًا كَفَرةَ الجنِّ والإنس موبِّخًا مبكِّتًا:

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ

[الأنعام: 130]

ففي هذه الآيات دليلٌ على بلوغ شرع الله الجنَّ، وأنه قد جاءهم من يُنذِرهم ويبلِّغهم، والدليلُ على أنهم سيعذَّبون في النار قولُه تعالى:

قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ 

[الأعراف: 38]

وقال تعالى:

لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ

[السجدة: 13]

والدليلُ على أن المؤمنين من الجنِّ يَدخُلون الجنة

قولُه تعالى:

وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

[الرحمن: 46، 47]

والخطابُ هنا للجنِّ والإنس؛ لأن الحديث في مَطلَع السورة معهما، وفي الآية السابقة امتنانٌ من الله على مؤمني الجنِّ بأنهم سيدخلون الجنة، ولولا أنهم ينالون ذلك لَمَا امتنَّ عليهم به [33].

وبيَّن ﷺ خلقَ آدَمَ - عليه السلامُ - فقال: «وَخُلِقَ آدَمُ ممَّا وُصِفَ لَكُمْ»؛ أي: "بما وَصَفه الله لكم في مواضعَ من كتابه، ففي بعضها أنه خَلَقه من ماء، وفي بعضها من تُرابٍ، وفي بعضها من المركَّب منهما، وهو الطِّين، وفي بعضها من صَلْصَال، وهو طين ضربته الشمس والريح حتى صار كالفخَّار" [34]؛

عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ، وَالْأَبْيَضُ، وَالْأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ»

[35]

وقال: «مما وُصِف لكم»، ولم يقل كما قال فيما قبلَه؛ طلبًا للاختصار؛ فإنه ﷺ أُوتيَ جوامعَ الكَلم، وهذا منها؛ إذ الملائكةُ لم يَختلِف أصل خِلقتها، ولا الجانُّ، وأما الإنسان فاختَلَف خَلْقُه على أربعة أنواع: فخَلْقُ آدمَ لا يُشبه خلقَ حوَّاءَ، وخلقُ حوَّاءَ لا يُشبه خلقَ آدمَ، وخلقُ عيسى لا يُشبه خلقَ الكلِّ، فأحال على ما وصل إلينا من تفصيل خلقِ الإنسان، ولَمَّا كان خلقُ الجانِّ من نار، كان فيه طلبُ القهر والاستكبار؛ فإن النار أرفعُ الأركان مكانًا، ولها سلطانٌ على الإحالة؛ فلذلك قال إبليس:

قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ

[ص: 76]،

وما عَلِم أن سلطانَ الماء الذي خُلِق منه آدمُ أقوى منه؛ فإنه يُذهِبه، والترابُ أثبتُ منه؛ لبَردِه ويَبَسِه، فلآدمَ القوَّةُ والثبوت لغلبة الركنين عليه، وإن كان فيه الآخران؛ لكن ليس لهما ذلك السلطان، وأُعطي آدمُ التواضع للطينة، فإن تكبَّر فلعارض بقلبه لِما فيه من النارية، وأُعطي الجانُّ التكبُّر للنارية، فإن تواضع فلعارضٍ؛ لِما فيه من الترابية، وفيهم الطائعُ والعاصي، ولهم التشكُّل في أيِّ صورة شاؤوا، وفيهم التناسل" [36].

المراجع

1. "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبيِّ (7/ 315).

2. "أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة" لنخبة من العلماء (ص: 99 - 101) باختصار.

3. رواه البخاريُّ (4857).

4. رواه البخاريُّ (2)، ومسلم (2333).

5. رواه البخاريُّ (3036)، ومسلم (2643).

6. رواه مسلم (2842).

7. رواه البخاريُّ (6045).

8. رواه البخاريُّ (628)، ومسلم (649).

9. رواه البخاريُّ (621)، ومسلم (632).

10. رواه البخاريُّ (749)، ومسلم (409).

11. رواه البخاريُّ (887)، ومسلم (850).

12. رواه مسلم (2699).

13. رواه مسلم (2732).

14. رواه مسلم (1348).

15. رواه مسلم (919).

16. رواه البخاريُّ (3771).

17. رواه مسلم (2616).

18. رواه مسلم (1436).

19. رواه البخاريُّ (1768)، ومسلم (1366).

20. رواه البخاريُّ (4675).

21. رواه البخاريُّ (1782)، ومسلم (1376).

22. رواه البخاريُّ (3127)، ومسلم (2729).

23. رواه مسلم (430).

24. رواه البخاريُّ (816)، ومسلم (564).

25. رواه البخاريُّ (1999)، ومسلم (2107).

26. رواه مسلم (2113).

27. رواه البخاريُّ (4730)، ومسلم (796).

28. رواه مسلم (8).

29. "عالم الملائكة الأبرار" لعمر الأشقر (ص9- 25)، بتصرُّف.

30. "فيض القدير" للمناويِّ (3/ 450).

31. "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبيِّ (7/ 315).

32. "المحلى بالآثار" لابن حزم (1/ 34).

33. "عالم الجن والشياطين" لعمر بن سليمان العتيبي (ص 41).

34. "فيض القدير" (3/ 450).

35. رواه أحمد (19582) وأبو داود (4693)، والترمذيُّ (2955)، وصحَّحه الألبانيُّ في "الصحيحة" (1630).

36. "فيض القدير" (3/ 450).

النقول

قال ابن تيمية رحمه الله: "وهم مخلوقون من النّور؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»، فإذا كانوا مخلوقين من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون؛ بل هم صَمَدٌ ليسوا جوفًا كالإنسان، وهم يتكلّمون ويسمعون ويُبصرون ويَصعَدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنّصوص الصّحيحة، وهم مع ذلك لا تُماثل صفاتهم وأفعالهم صفاِت الإنسان وفعلَه؛ فالخالق تعالى أعظم مباينةً لمخلوقاته من مباينة الملائكة للآدميّين؛ فإنّ كليهما مخلوق، والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق سبحانه وتعالى" [1].

قال ابن القيم رحمه الله: "إن الله سبحانه وتعالى ذَكَر خلق الإنسان في كتابه في مواضعَ متعدِّدةٍ، يُخبر في بعضها أنه خَلَقه من ماء، وفي بعضها أنه خَلَقه من تراب، وفي بعضها أنه خَلَقه من المركَّب منهما وهو الطين، وفي بعضها أنه خَلَقه من صَلْصال كالفخَّار، وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالاً كالفخَّار" [2].

قال ابن القيم رحمه الله: "والإيمان بالملائكة: هو التصديق بأنهم عباد مكرَمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون" [3].

قال ابن حجر رحمه الله: "الإيمان بالملائكة هو التّصديق بوجودهم، وأنّهم كما وصفهم الله تعالى عباد مكرَمون، وقدّم الملائكةَ على الكُتب والرُّسل؛ نظرًا للتّرتيب الواقع؛ لأنّه سبحانه وتعالى أرسل الملَك بالكتاب إلى الرّسول، وليس فيه متمسَّك لمن فضَّل الملَك على الرّسول" [4].

قال ابن عثيمين رحمه الله: "والإيمان بالملائكة يتضمّن: أولاً: الإيمان بأسماء من عَلِمنا أسماءهم، أن نؤمن بأن هناك ملَكًا اسمه كذا؛ مثل جبريل. ثانيًا: أن نؤمن بما لهم من أعمال؛ مثلاً: جبريل: موكَّل بالوحي، يَنزِل به من عند الله إلى رسله. وميكائيل: موكَّل بالقَطر؛ أي: المطر، والنبات؛ أي: نبات الأرض. وإسرافيل: موكَّل بالنفخ في الصور. هؤلاء الثلاثة كان النبيُّ ﷺ يَذكُرهم عندما يستفتح صلاة الليل؛ فيقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ وَإِسْرَافِيْلَ» [5]، والحكمة من هذا: أن كلَّ واحد منهم موكَّل بحياة؛ فجبريل موكَّل بالوحي، وهو حياة القلوب؛ 

كما قال عزّ وجل:

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ 

[الشورى: 52]

وميكائيل موكَّل بالقَطر والنَّبات، وهو حياة الأرض، وإسرافيل موكَّل بالنفخ في الصور، وهو حياة الناس الحياة الأبدية. والمناسبة ظاهرة؛ لأنك إذا قمتَ من النوم، فقد بُعِثْتَ من موت؛

كما قال تعالى:

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ

[الأنعام: 60]

وقال عزّ وجل:

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ 

[الزمر: 42]

إذا كان القيام من الليل بعثًا، وهؤلاء الملائكة الثلاثة الكرام كلُّهم موكَّلون بحياة، صارت المناسبةُ واضحةً. كذلك يجب الإيمان بما لبعض الملائكة من أعمال خاصَّة، فمثلاً: هناك ملائكةٌ وظائفهم أن يكتبوا أعمال العباد،

قال الله عزّ وجل:

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ  إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ  مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ

[ق: 16-18]

فهؤلاء موكَّلون بكتابة أعمال بني آدم، وقال الله عزَّ وجلَّ أيضًا في آية أخرى:

كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ

[الانفطار: 9-11]

يكتبون كلَّ قول يقوله الإنسان، وظاهرُ الآية الكريمة أنهم يكتبون ما للإنسان وما عليه، وما ليس له ولا عليه، وجهُ كون هذا هو الظاهر: أن قوله عزَّ وجل: (مِنْ قَوْلٍ) نكرة في سياق النفي مؤكَّدة بـ: (من) فتفيد العموم؛ لكن ما ليس له ولا عليه لا يُحاسب عليه؛ وإنما يقال: إنه فاته خير كثير. ومن الملائكة من هم موكَّلون بالسياحة في الأرض، يلتمسون حِلَق الذّكر والعلم، فإذا وجدوها جلسوا، ومنهم ملائكة موكَّلون بحفظ بني آدم، ومنهم ملائكة موكَّلون بقبض روح بني آدم، ومنهم ملائكة موكَّلون بسؤال الميت في قبره، ومنهم ملائكة موكلون بتلقّي المؤمنين يوم القيامة، ومنهم ملائكَّة موكلون بتحية أهل الجنة، ومنهم ملائكة يعبدون الله عزَّ وجلَّ ليلاً ونهارًا" [6].

قال ابن القيم رحمه الله: "والملائكة الذين خُلقوا من نور؛ كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَت الشياطين مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»، فلما كانت مادَّة الملائكة من نور، كانوا هم الذين يَعرُجون إلى ربِّهم تبارك وتعالى، وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تَعرُج إلى ربِّها وقتَ قبض الملائكة لها، فيُفتَح لها باب السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة، إلى أن ينتهيَ بها إلى السماء السابعة، فتُوقَف بين يدَيِ الله عزَّ وجلَّ، ثم يَأمُر أن يُكتَب كتابه في أهل عليِّين، فلما كانت هذه الروحُ روحًا زاكية طيِّبة نيِّرة مشرِقة، صَعِدت إلى الله عزَّ وجلَّ مع الملائكة" [7].

المراجع

1. "مجموع الفتاوى" (5/ 354).

2. "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم (4/ 19).

3. "شرح الأربعين النووية" لابن دقيق العيد (ص: 30).

4. "فتح الباري" لابن حجر (1/ 117).

5. رواه مسلم (770).

6. "شرح الأربعين النووية" للعثيمين (ص: 40، 41).

7. "الوابل الصيب من الكلم الطيب" لابن القيم (ص: 61).

مشاريع الأحاديث الكلية