عن أبي هُرَيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أَوْلى الناس بعِيسى بنِ مَريمَ في الدنيا والآخرةِ، والأنبياءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أمهاتُهم شتَّى، ودِينُهم واحدٌ»، وفي رواية: «ليس بَيْني وبينَه نَبِيٌّ».

فوائد الحديث

الفوائد العلمية

1. في الحديث بيان أن النبيَّ ﷺ أَوْلى النّاس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، وأنه أخصُّ النّاس به، وأقربُهم إليه.

2. وفَّق بعض العلماء بين هذا الحديث وبين قوله تعالى:

﴿إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ﴾ 

 [آل عمران: 68]

بأن الحديث وارد في كونه ﷺ متبوعًا، والآية واردة في كونه تابعًا. والحقُّ أنه لا منافاة ليحتاج إلى الجمع، ومَسَاقُ الحديث كمساق الآية؛ فلا دليلَ على هذه التَّفْرِقة، فكما أنه أَوْلى النّاس بإبراهيم، كذلك هو أَوْلى النّاس بعيسى، ذاك من جهة قوّة الاقتداء به، وهذا من جهة قوَّة قُرب العهد به [1].

3. الموجِب لكونه أَوْلى الناس بعيسى عليهما الصلاة والسلام أنه كان أقربَ المرسلين إليه، وأن دينه متَّصِل بدينه ليس بينهما نبيٌّ، وأن عيسى كان مبشِّرًا به ممهِّدًا لقواعد دينه، داعيًا الخلقَ إلى تصديقه، وفي آخر الزمان، سيَتَّبِع شريعته، وينصر دينه.

4. لما كان الدين - وهو الإسلام - واحدًا، وهو الأصل والأساس، كان بمنزلة الأب الواحد، واختلاف الشرائع بينهم بمثابة اختلاف الأمَّهات التي هي مِن لقاح الأب الواحد [2].

5. في الحديث دليل على أنه ليس بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام أنبياءُ، وقيل: المرادُ أنه لم يُبْعَثْ بعد عيسى نَبِيٌّ بشريعة مُسْتَقِلَّةٍ؛ وإنما بُعث بعده مَن بُعث بتقرير شريعة عيسى [3].

6. في الحديث بيان أن أصل دين الأنبياء وإيمانهم واحد، وهو التَّوحيد؛ فإنّهم متّفقون في أصول التّوحيد؛ أي: إنهم متفقون في عبادة الله وحده لا شريك له، وهو دين الإسلام، وإن تنوَّعت شرائعه.

7. في الحديث عبَّر ﷺ عَّما هو الأصل المشترك بين الكلِّ بالأب، ونَسَبهم إليه، وعبَّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمَّهات.

8. قيل في قوله ﷺ: «أمهاتهم شتَّى ودينهم واحد»؛ أي: إنهم وإن تباينت أعصارهم، وتباعدت أيامهم، فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم - كلٌّ في عصره - أمرٌ واحد، وهو الدين الحقُّ الذي فطر الناس مستعدِّين لقَبوله، ممكَّنين من الوقوف عليه والتمسُّك به، فعلى هذا؛ المراد بالأمَّهات الأزمنة التي اشتملت عليهم [4].

9. الله تعالى يُعبَد في كل وقت بما أَمَر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت، وتنوُّع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوُّع الشريعة الواحدة؛ كنسخ استقبال القِبلة في الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة، فيَحرُم استقبال الصخرة بعد النسخ؛ فالدين واحد وإن تنوَّعت القِبلة في وقتين من أوقاته [5].

المراجع

1. "فتح الباري" لابن حجر (6/ 489).

2. انظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (3/ 202).

3. "فتح الباري" لابن حجر (6/ 489).

4. "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" للقسطلانيِّ (5/ 416).

5. "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية (ص 455، 456).

الفوائد العقدية

10. يدعو الحديث إلى الإيمان بأنبياء الله جميعًا، وعدم التفرقة في الإيمان بهم جميعًا، ولا يصحُّ الإيمان بالله تعالى إلا بالإيمان بهم جميعًا، ولا يصحُّ إيمان من كَفَر بواحد منهم؛

قال تعالى:

﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾

[البقرة: ٢٨٥]

11. ليس من التفريق بين الأنبياء في الإيمان بهم جميعًا تفضيلُ بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات؛ فأفضلهم أولو العزم، ومنهم من كلَّمه اللهُ... إلخ؛

قال تعالى:

﴿۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ﴾

[البقرة: 253].

12. من خرج عن شريعة الأنبياء قبل نسخها بشريعة محمد لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد بعد النسخ لم يكن مسلمًا.

13. لم يشرع اللهُ لنبيٍّ من الأنبياء أن يعبد غير الله البتَّةَ؛

قال تعالى:

﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ﴾

[الشورى: ١٣]

فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرَّقوا فيه.

14. لا يقبل الله دينًا غير دين الإسلام، لا من الأوَّلين ولا من الآخرين؛

قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾

[آل عمران: ١٩]

فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام؛ نصَّ الله تعالى في قرآنه عن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وقال فيمن تقدَّم من الأنبياء:

﴿يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾

[المائدة: ٤٤]

أما شرائع الأعمال والمأمورات، فقد تختلف، فهي بمنزلة الأمَّهات الشتَّى التي كان لقاح تلك الأمهات من أب واحد، كما أن مادَّة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متَّفَق عليه.

15. من اتَّبَعَ دِينًا مُبَدِّلًا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ أو دِينًا منسوخًا، فهذا قد خرج عن دين الإسلام؛ كاليهود الذين بدَّلوا التوراة كذَّبوا المسيح - عليه السلامُ - ثم كذَّبوا مُحَمَّدًا ، والنصارى الذين بدَّلوا الإنجيل وكذَّبوا مُحَمَّدًا ، فهؤلاء ليسوا على دين الإسلام الذي كان عليه الأنبياء؛ بل هم مخالفون لهم فيما كذَّبوا به من الْحَقّ،ِ وابتدعوه من الباطل [1].

المراجع

1. مجموع الفتاوى (27/ 370، 371).

الفوائد التربوية

16. الاهتمام بتعليل الأحكام؛ ليكونَ المتعلِّم على بصيرةٍ؛ فقد ذكَر النبيُّ أنه أوْلى الناس بعيسى – عليه السلام - لأنه ليس بينه وبينه نبيٌّ، وأن الأنبياء إخوةٌ لعَلَّات؛ إذ أمهاتهم مختلفةٌ؛ لكنَّ الدين يجمعهم.

17. بيان منزلة الأنبياء والمرسلين؛ لئلا تدفع الخصومةُ والخلاف المسلمين إلى الإغضاء من شأن أحد من الأنبياء؛ فالإيمان بهم جميعًا واجب، وعدم الإيمان بأحدهم كفر.

الفوائد الحديثية

18. وَقَع في رواية عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ: «وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ»، واستُدِلَّ به على أنه لم يُبْعَثْ بعدَ عيسى أَحَدٌ إِلَّا نَبِيُّنَا ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنه ورد أن الرُّسل الثلاثة الذين أُرْسِلُوا إلى أصحاب القرية المذكورة قِصَّتُهم في سورة (يس) كانوا من أتباع عيسى، وَأَنَّ جرجيس وخالدَ بْنَ سِنَانٍ كانا نَبِيَّيْنِ، وكانا بعدَ عيسى، والجوابُ: أن هذا الحديث يُضَعِّفُ ما ورد من ذلك؛ فإنه صحيح بلا تَرَدُّد، وفي غيره مَقالٌ، أو المرادُ أنه لم يُبْعَثْ بعد عيسى نَبِيٌّ بشريعة مُسْتَقِلَّةٍ؛ وإنما بُعث بعده مَن بُعث بتقرير شريعة عيسى [1].

19. روى عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أكثرُ من ثمانمائةٍ، ما بين صحابيٍّ وتابعيٍّ، وله خمسةُ آلافِ حديث وثلاثُمِائةٍ وأربعةٌ وسبعونَ حديثًا، اتَّفَق البخاريُّ ومسلم منها على ثَلاثمِائة، وانفرد البخاريُّ بثلاثةٍ وسبعين [2].

المراجع

1. "فتح الباري" لابن حجر (6/ 489).

2. "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" لابن علان (1/ 72).

الفوائد اللغوية

20. الأبناء والإخوة ثلاثة أنواع؛ الأول: إخوة أو بنو العَلَّات: وهم الإخوةُ من الأب، وأمَّهاتهم شتَّى (إخوة لأب)، والثاني: إخوة أو بنو الأَخْياف: وهم الإخوة من آباء مختلفين وأمُّهم واحدة (إخوة لأمٍّ)، والثالث: إخوة أو بنو الأعيان: وهم الإخوة الأشقَّاء لأبوينِ.

21. العَلَّات: الضرائر، والعَلَّة: الضَّرَّة، وأصله أنّ من تزوَّج امرأةً ثمّ تزوَّج أخرى، كأنَّه عَلَّ منها، والعَلَلُ الشُّرْبُ بعد الشُّرْبِ، وكأن الزوج عَلَّ منها بعد ما كان ناهلاً من الأخرى. 

مشاريع الأحاديث الكلية