عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه قال: كنتُ خَلْفَ رسولِ الله  يومًا، فقال: «يا غلامُ، إنِّي أُعلِّمُكَ كلماتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدْه تُجاهَكَ، إذا سألْتَ فاسأَلِ اللهَ، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، واعلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لوِ اجتَمَعَتْ على أنْ يَنفَعوكَ بشيءٍ، لم يَنفَعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ لكَ، ولوِ اجْتَمَعوا على أنْ يَضُرُّوكَ بشيءٍ، لم يَضُرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ».

المراجع

  1. رواه الترمذيُّ (2516)، وقال: حديث حسن صحيح، وصحَّحه عبد الحقِّ في "الأحكام الوسطى" (4/ 285)، والألبانيُّ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1317).


فقه و اتباع

فقه: 

كان ابن عباس رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ راكبًا خلف النَّبي ﷺ في يوم من الأيام، فقال له النَّبي ﷺ 

  1. أراد النَّبي ﷺ أن يعلمه، فلفت انتباهه بأن ناداه؛ لكي يُصْغِي إليه جيدًا، وكان ابن عباس غلامًا صغيرًا بين الحادية عشرة والرابعة عشرة، وقال له: «إني أعلمك كلمات»، فاحفظها، وافهمها، واعمل بها.

  2.  كانت أول وصية أوصاه بها النَّبي ﷺ أن يحفظ الله تعالى، وحفظ الله تعالى يكون بالالتزام بأمره والبعد عن المحرمات ومراقبة الله ﷻ في كل وقت.

  3. شجَّع النَّبي ﷺ عبد الله بن عباس رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ على حفظ الله تعالى، وذكر له الجزاء الذي يناله العبد إذا حفظ الله وهو أنه يحفظه الله تعالى، وحفظ الله تعالى للعبد شاملٌ لحفظ البدنِ والأعضاء والحواس وراحة البال وغيرها، فيعيش مطمئن البال، بل إن حفظ الله تعالى له يتخطاه إلى أهله، فيحفظ الله ﷻ أهله وذريته من بعده، وكذلك شامل لحفظ دينه وزيادة استقامته.

  4. ثم ذكر ﷺ جزاءً آخر لمن يحفظ حدود الله تعالى، وهو أنَّه يجد الله معه في كلِّ أحواله؛ ينصره ويدافع عنه ويؤيده ويستجيب دعاءه ويتقبل عملَه؛ قال ﷺ حكاية عن الله ﷻ: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُهُ، كنتُ سمْعَه الذي يسمَع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويده التي يبطِشُ بها، ورِجْله التي يمشي بها، وإنْ سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذَني لأُعِيذنَّه».

  5. ثم علَّم ﷺ عبد الله بن عباس رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ حُسن التوجُّه إلى الله تعالى وتوحيده، فأمره إذا أراد شيئًا أو دعاء أن يدعو الله تعالى وحده، ولا يدعو أحدًا غيره، لأن الله ﷻ هو وحده المستحق للعبادة.

  6. ثم أمره ﷺ بإفراد الاستعانة بالله تعالى وحده أيضًا، والاستعانة الميل إلى المساعدة والعون لحصول المقاصد، وفي الاستعانة ظهور لمعنى التوكُّل القلبي، والتوحيد في الاستعانة مأخوذ من قوله تعالى:

    ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

    [الفاتحة: 5]

    ؛ فإنه لمَّا أمر اللهُ تعالى عبادَه بطاعته، أرشدهم إلى دعائه وحده، وإلى الاستعانة به في أداء الفرائض والبعد عن المناهي.

  7. ثم أراد النَّبي ﷺ أن يعلمه حسن التوكل على الله ﷻ وعدم الاهتمام بكلام الناس وفعلهم، فأخبره بأن الأمة كلها إنسها وجنَّها لو اجتمعت لكي يضروه بشيء لن يستطيعوا أن يضروه إلا إذا أراد الله تعالى ذلك، وإذا لم يرد له الضَّرر؛ فلن يستطيعوا أن يضروه أبدًا.

وإذا اجتمعت الأمة كلها وأرادوا أن ينفعوه بشيء؛ لن يستطيعوا أن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله ﷻ عليه، وإذا لم يرد الله تعالى له النفع فلن يستطيعوا نفعه أبدًا؛ لأن الله تعالى كتب أقدار كل شيء عنده في كتاب في السماء، ولن يحدث شيء في الوجود إلا بإذنه.

اتِّباع: 

  • كن رفيقًا مع الصغار، ولا تهملهم من النصائح التي تقرّبهم من الله تعالى، وتقوي إيمانهم ؛ ومنها تعزيز الاستعانة بالله تعالى، وترسيخ الإيمان بقدره

  • تأمَّل في كلمات النبي ﷺ واعتبرها نصائحَ حياتيةً عظيمة، واستعد لأن تعيش حياتك وفق هذا التوجيهِ النبويّ، فهذا التعليمُ الحكيمُ هو سبيلك لحياةٍ مليئةٍ بالخيرِ والبركة.

  • احرص على الالتزام بطاعةِ الله وحفظِ حدوده في كلِّ ما تقوم به، فالوفاءُ بهذا سيضمنُ لك حفظَ الله ورعايتَه في كل أوقاتك.

  • إذا فكرت بما يحفظ لك بيتك أو مالك أو صحتك أو أولادك أو غير ذلك؛ ليكن من أول ذلك التفكير في تقوية إيمانك ، وحث أهلك ومن تحب عليه.

  • ثِق بأن الله سيحفظك ويوجّهك في حياتك إذا كنت ملتزمًا بحفظ أوامره ونواهيه، فلا تشك في أن حفظَك لله سيجلبُ لك عنايةً خاصةً من الله.

  • اجعل الله دائمًا أمامك وفي قلبك في كل خطوةٍ تخطوها، واعلم أن التمسّك بطاعة الله سيجعل الله أمامك دائمًا، موجهًا ومرشدًا.

  • إذا واجهت حاجةً أو رغبتَ في شيءٍ، توجه إلى الله بالدعاء واسأله وحده، فهو الذي بيده كل شيء، ولا تعتمد إلا على الله في قضاء حاجاتك.

  • احرص في جميع شؤون حياتك على طلب العون من الله وحده، واعلم أن الاستعانةَ بالله هي الطريقُ الأوحد للنجاح والتوفيق.

كن على يقين أن لا شيء في هذه الدنيا يحدث خارج إرادة الله، فلا يستطيع أحد أن يضرَّك أو ينفعك إلا بما كتبه الله لك أو عليك، فالقدر مقدّر، وما كتبه الله لا يتغير، فثق بالله ولا تخف من أي شيءٍ آخر.

مشاريع الأحاديث الكلية