المعنى الإجمالي للحديث
يخبر النبيُّ ﷺ أنَّ مَن أتى بالتوحيد على الوجه المطلوب؛ بأن أقرَّ أنه لا إله بحقٍّ إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسوله، فصدَّقه بما جاء به واتَّبعه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وليس بإله ولا ابن إله، ولا كما قالت اليهود: ابنُ زنا، وأقرَّ أن الجنة حقٌّ فعمل لها، وأنَّ النار حقٌّ فهرب منها. كان جزاؤه أنْ يدخل الجنة على ما كان من العمل. وفي رواية: أنَّه تُفتح له جميع أبواب الجنة، يدخل من أيِّها شاء؛ لعظيم منزلته وفضله.
الشرح المفصل للحديث
هذا حديث عظيم الموقع وهو مِن أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم جَمَع فيه ما يُخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم، فاختصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يُبَايِنُ به جميعهم[1].
ففي هذا الحديث يُخبر النبيُّ ﷺعن فضيلة من حقَّق التوحيدَ؛ فمن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ومقتضى ذلك أن يُفرده بالربوبية؛ فلا يعتقد خالقًا أو رازقًا أو مُدَبِّرًا لأمورِه وأمور الكون كله غيرَه سبحانه، وأن يؤمن بما أخبر به عن نفسه من الأسماء الحسنى والصفات العُلى؛ فلا ينفي ما جاء من الطرق الصحيحة، ولا يُؤَوِّل أو يُعَطِّل أو يُشَبِّه، وأن يُخلص له العبادة؛ فلا يصرف شيئًا منها لغير اللهِ جلَّ وعلا، وحدُّ العبادة كمَّا عرَّفها شيخُ الإسلام ابن تيمية: « اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة»[2]، فلا يجوز صرفُ شيءٍ منها لغيره سبحانه، أو إشراكِ غيره معه فيها.
فإذا حقَّق مفهوم تلك الشهادة، وشَهِد كذلك بأنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، ومقتضى الشهادة بأنه عبدٌ أنه لا يجوز إطراؤه ورفعه فوق منزلته، كما قال ﷺ: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ»[3]. ومقتضى الشهادة بأنه رسولٌ: وجوبُ تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وتوقيرُه وتعظيمُه وتبجيلُه.
ثمَّ أتى بشهادة أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وذلك يتضمن الردَّ على اليهود والنصارى، الذين ضلُّوا في شأنِه جميعًا؛ حيث زعمت اليهود أنَّه ابنُ زنا، وليس برسولٍ، فلم يؤمنوا به، وغالت النصارى في حقِّه حتى جعلوه إلهًا أو ابنَ إلهٍ، فأخبر هذا الحديث بخطأ الفريقين، وأنَّه لا يُقبل من إحدى الطائفتين إيمانٌ حتى يُحسنوا الاعتقاد في عيسى عليه السلام[4].
ومعنى أنَّ عيسى كلمة الله، أي: كان بالكلمة، وهي "كُنْ"،
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
وتخصيصُه عليه السلام بذلك من باب التشريف والاختصاص، ولأنه سبحانه خلقه على غير العادة بأن يكون من أبٍ وأمٍّ،
وقيل: بل سُمِّي بذلك لأنه تكلَّم في غير أوانِه؛ إذ تكلَّم في المهد، فَسُمِّي بالكلمة لفصاحته، كما يقال للعادل: عدلٌ[5].
ومعنى "وروحٌ منه" أي رُوحٌ خلقها اللهُ تعالى وأرسلها إلى مريم بواسطة المَلَك، ورُبَّما سُمِّيت النفخة التي نفخها جبريل عليه السلام في دِرْعِها رُوحًا لأنَّها رِيحٌ، ويُمكن أن يكون المراد بالرُّوحِ: الرحمة؛ فإنَّ اللهَ تعالى أرسل المرسلين -ومنهم عيسى عليه السلام- رحمةً للناس ونجاةً لهم من العذاب[6]. ونُسبت الروح إلى الله تعالى فقيل: "وروحٌ منه"،
{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}
لأنها بأمره،
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}
وهي إضافةُ تشريفٍ وتعظيم؛ فهو عليه السلام نبيُّه وحبيبُه، وفيه التعريض باليهود الذين حطُّوا من قدره[7].
والشهادة بأنَّ الجنةَ والنارَ حقٌّ يستلزم العملَ الذي به تُنال الجنةُ ويُزحزح به عن النار. والإيمان بالثواب والعقاب أصلٌ من أصول اعتقاد المسلمين، خلافًا لمن أنكر ذلك من الزنادقةِ وغيرهم[8].
ويتضمن الإيمان بالجنة التصديقَ بما أخبرﷺمما فيها؛ ففيها ما لا عينٌ رأت، لمقتضى قوله ﷺ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}»[9]، ويؤمن بما فيها من الحور العين والغِلمان، وأنهارِ الخمر واللبن والعسل، وما ورد في صفات أهلها، والنعيم الكائن فيها، وغير ذلك مما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ.
وكذلك الإيمان بالنَّار؛ فيلزمُ منه التصديقُ بوجودها، والإقرار بما ورد من شدة حرِّها واشتداد لهيبها، وأنها دركات بعضها أحطُّ وأشدُّ عذابًا من بعض، وأنَّ المنافقين في قعرها الأسفل، وأنَّ من غُمس فيها غمسةً نسي ما حصل له من النعيم في الدنيا وإن كان أنعم أهل الأرض، ويؤمن بما ورد من أخبارها من الماء الحميم والغسلين وشجرة الزقوم والتعان الكافرين بعضهم بعضًا فيها، إلى غير ذلك.
فمن أتى بجميع تلك الشروط في شهادة التوحيد؛ فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبدُ اللهِ ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه، وأنَّ الجنةَ حقٌّ والنار حقٌّ، كان جزاؤه أنَّ الله تعالى يُدخله الجنة على ما كان من العمل.
ومعنى إدخاله الجنة على ما كان من العمل أنَّه يدخل الجنةَ ولا بُدَّ، أيًّا كان عملُه، صالحًا أم فاسدًا. وذلك بأن يغفر له بتوحيده ما أتى به من الذنوب والسيئات، أو يُضاعف له حسناته بسبب توحيده حتى تغلب سيئاته، أو بأن يكون آخرُ أمرِه أن يدخل الجنة، وإن عُذِّبَ في النَّار بما أتى من الكبائر والذنوب. فإنه لا يُخَلَّد في النَّار[10].
على أنَّه يمكن أن يكون المعنى: أنَّه يدخل الجنة بحسب عمله، فتختلف منازل أهل التوحيد في الجنة بحسب أعمالهم، وإن كان دخولُ الجنة مضمونًا لهم بسبب توحيدهم[11].
وقد جاء في أحاديث أخرى أنَّ المُوَحِّد يحرم على النار؛ كما في قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»[12]، وليس معنى ذلك أنَّه لا يدخل النَّار مُوَحِّدٌ؛ إذ وردت كثيرٌ من الأحاديث التي تفيد خلاف ذلك، وأنَّ كثيرًا من أهل التوحيد يخرجون من النَّار بعد دخولها بشفاعة الشافعين أو بفضل رب العالمين، ولأهل العلم طريقان في الجمع بين تلك الأخبار؛ الطريق الأول: أنَّ المراد بتحريم النار على هؤلاء إنما هو في حقِّ بعضهم ممن غفر اللهُ تعالى له من أهل المعاصي، فالأحاديث عامة يراد بها الخصوص. والثاني: أن المراد أنَّهم يُحَرَّمون على النَّار تحريم خلودٍ، فلا يُخَلَّدُ مُوَحِّدٌ في النار، بل يدخل الجنة ولا بُد، فإذا دخلها لم يُحرم منها ومن نعيمها[13].
وفي رواية أخرى للحديث، أخبر ﷺ أنَّ جزاء هؤلاء المُوَحِّدين الذين شهدوا بجميع ما ذُكر في الحديث، -وشهادتُهم شهادةُ إقرارٍ وتصديقٍ ويقين، وليست مجرد قول باللسان- أنَّهم تُفَتَّحُ لهم أبواب الجنة الثمانية، يدخلون من أيِّ بابٍ شاؤوا، وذلك لفضلهم وصدق توحيدهم الذي لا يُعادِلُه شيء، ولهذا طاشت البطاقة التي فيها "لا إله إلا الله" بتسعةٍ وتسعين سِجِلًّا امتلأت بالسيئات والمعاصي، ففي الحديث: «إن الله سيُخَلِّص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أَتُنْكِر من هذا شيئًا؟ أظَلَمَك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، فيقول: احْضُرْ وزنَك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فقال: إنك لا تُظْلَم، فتُوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء»[14].
وتخييرُ المُوَحِّد بين أبواب الجنة لا يُعارض أنَّ اللهَ تعالى قد خصَّ كلَّ بابٍ بأهلِه؛ كما في الحديث: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»[15]؛ فإنَّ كلَّ مَن يدخل الجنة يُخَيَّر في الدخول من أيِّ بابٍ شاء، غيرَ أنَّهُ إذا عُرِضَ عليه الأفضلُ في حقِّه، دخَلَ منه مختارًا للدخولِ منه مِن غير جَبرٍ عليه، ولا مَنْعَ له مِنَ الدخولِ من غيره[16].
ويمكن أن يكون الضمير في "شاء" يعود على اللهِ تعالى، فيكون المعنى أنَّ اللهَ تعالى يُدخله من أيِّ الأبواب شاءَ سبحانه، وذلك بأن يُوَفِّقه على عملٍ من تلك الأعمال التي تختص بالأبواب، بأن يكون من أهل الصلاة أو الصيام أو الزكاة ونحو ذلك، إذ من لم يكن من أهل العبادة لم يُنادى عليه منها، ولم يدخل الجنة من بابِها[17].
المراجع
- "شرح النووي على مسلم" (1/ 227).
- "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (10/ 149).
- أخرجه البخاري (3445)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
- انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 200)، "شرح المشكاة" للطيبي (2/ 480).
- انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (1/ 258)، "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" للبيضاوي (1/ 63).
- انظر: "تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر" (7/ 704)، "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 200).
- انظر: "شرح المشكاة" للطيبي (2/ 480)، "فتح الباري" لابن حجر (6/ 475).
- انظر: "شرح المشكاة" للطيبي (2/ 480).
- متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824)، عن أبي هريرةرضي الله عنه.
- انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 201)، "شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (5/ 410).
- انظر: "فتح الباري" لابن حجر (6/ 475).
- متفق عليه، أخرجه البخاري (425)، ومسلم (33)، عن عِتبان بن مالك رضي الله عنه.
- انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 200).
- خرجه الترمذي (2639)، وقال: "حديثٌ حسن غريب"، وابن ماجه (4300)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وصححه المناوي في "كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح" (5/ 23)، والألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 262).
- متفق عليه، أخرجه البخاري (1897)، ومسلم (1027)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
- انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 201).
- انظر: "فتح الباري" لابن حجر (6/ 475).
النقول
قال النووي رحمة الله: هذا حديث عظيم الموقع وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم فاختصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم[1].
وقال القرطبي رحمة الله: هذا الحديثُ مقصودُهُ إفادةُ التنبيه على ما وقَعَ للنصارَى من الغلط في عيسى وأُمِّهِ عليهما السلام، والتحذيرُ عن ذلك، بأنَّ عيسى عبد الله لا إلهٌ ولا وَلَدٌ، وأُمُّهُ أَمَةٌ الله تعالى، ومملوكةٌ له لا زوجةٌ، تعالى الله عما يقولُ الجاهلون علوًّا كبيرًا! . ويستفادُ من هذا ما يُلَقَّنُهُ النصرانيُّ إذا أسلم[2].
وقال ابن الملقن رحمة الله: مقصود الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى في عيسى وأمه، ويستفاد منه أيضًا ما يلقنه النصراني إذا أسلم، ولأصحابنا فيه تفصيل محله كتب الفروع، ولم يذكر في الحديث الإقرار بكتاب الله وملائكته وسائر أنبيائه، واكتفى بقوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله". فإذا أقر برسالة محمد فقد أقر بجميع ما جاء به، وهو يشتمل على ذلك كله[3].
وقال البيضاوي رحمة الله: لأنه تكلم في غير أوانه؛ فسمي بالكلمة لذاته فصاحته وفرط استغراب الكلام منه، كما سمي العادل بالعدل، والمواظب على الصوم بالصوم، وما يتعجب منه بالعجب، وأضيف إلى الله تعظيما له، أو: لأن كلامه كان خارقا للعادة خارجًا عما عليه البشر[4].
وقال القرطبي رحمة الله: وسمِّي عيسى رُوحَ الله؛ لأنَّه حدَثَ عن نَفخَةِ المَلَك، وإضافَة الله تعالى إليه؛ لأنَّ ذلك النفخَ كان عَن أمره وقدره، وسُمِّيَ النفخُ رُوحًا؛ لأنّه ريحٌ يخرُجُ من الرُّوح؛ قاله المَكِّيُّون. وقيل: سُمِّي بذلك عيسى؛ لأنَّه رُوحٌ لمن اتَّبعه. وقيل: لأنَّه تعالى خلَقَ فيه الرُّوحَ مِن غير واسطة أب؛ كما قال في آدم: وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُوحِي قاله الحَربِيُّ[5].
وقال البيضاوي رحمة الله: قوله:" أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " دليل على المعتزلة في مقامين: أحدهما: أن العصاة من أهل القبلة لا يخلدون في النار، لعموم قوله:" من شهد ". وثانيهما: أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة، لأن قوله:"على ما كان من العمل " حال من قوله:" أدخله الله الجنة "، كما في قولك: رأيت فلانا على أكله، أي: آكلا، ولا شك أن العمل غير حاصل حينئذ، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يتصور ذلك في حق العاصي الذي مات قبل التوبة إلا إذا أدخل قبل استيفاء العقوبة. فإن قلت: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل النار أحد من العصاة؟! قلت: اللازم عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار، لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب، هذا وليس بحتمٍ عندنا أن يدخل النار أحدٌ من الأمة، بل العفو عن الجميع بموجب وعده[6].
وقال القرطبي رحمة الله: (قوله: أَدخَلَهُ اللهُ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) ظاهر هذا يقتضي أنَّ قولَ هذه الكلماتِ يقتضي دخولَ الجنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلافِ ما ظَهَر من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب الزكاة؛ فإنَّ فيه ما يقتضي أنَّ كلَّ مَن كان مِن أهل الجنَّة إنما يدخُلُ من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله غالبًا الداخُل؛ فإنَّه قال فيه: فَمَن كَانَ مِن أهل الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَن كَانَ مِن أهل الصِّيَامِ، دُعِيَ مِن بَابِ الصِّيَامِ، وَهَكَذَا الجِهَادُ. والتوفيقُ بين الظاهرَين: أنَّ كُلَّ مَن يدخلُ الجَنَّةَ مخيَّرٌ في الدخول من أيِّ بابٍ شاء، غيرَ أنَّهُ إذا عُرِضَ عليه الأفضلُ في حقِّه، دخَلَ منه مختارًا للدخولِ منه مِن غير جَبرٍ عليه، ولا مَنعَ له مِنَ الدخولِ من غيره[7].
المراجع
- "شرح النووي على مسلم" (1/ 227).
- "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 200).
- "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن (19/ 551).
- "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" للبيضاوي (1/ 63).
- "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 200).
- "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" للبيضاوي (1/ 72).
- "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (1/ 201).