عن أبي هريرة رضى الله عنه : أن رسول الله ﷺ قال:«العُمرة إلى العُمرة كفَّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة»
عن أبي هريرة رضى الله عنه : أن رسول الله ﷺ قال:«العُمرة إلى العُمرة كفَّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة»
يذكر النبيُّ ﷺ أنَّ المتابعة بين العمرة إلى العمرة تُكَفِّر ما بينهما من الذنوب، وأنَّ الحجَّ المقبولَ لا جزاءَ يساويه إلَّا دخول الجنة.
الشرح المفصل للحديثيُخبر النبيُّ ﷺ ببعضِ فضائل العمرة والحج، فيذكر أنَّ المداومة بين العمرة والعمرة، تُكَفِّر ما يقع بينهما من الذنوب. ويحتمل أن يكون "إلى" هاهنا بمعنى "مع" كقوله
{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}
[النساء: 2]
ويكون تقدير الكلام: العمرة مع العمرة تكفيرٌ لما بينهما[1].
والعُمرة في اللغة: الزِّيَارةُ والقصد، يقال: اعتمر البيتَ: زاره[2]. واصطلاحًا: التعبُّد لله تعالى بالطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بين الصَّفا والمروة، والتحَلُّلِ منها بالحَلْقِ أو التَّقصيرِ[3].
وإنما تُكَفِّر العمرةُ إلى العمرة ما بينهما من الذنوب والصغائر فحسب دون الكبائر؛ لِمَا في قوله : «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»[4]. وقد استشكل بعضُ أهل العلم كونَ العمرة كفارةٌ، مع أن اجتناب الكبائر مُكَفِّرٌ؛
لقوله تعالى
{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}
[النساء: 31]
فماذا تُكَفِّر العمرة؟ وأجيب: بأن تكفير العمرة مقيدٌ بزمنها، وتكفير الاجتناب عامٌّ لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه الحيثية[5]، وقيل: إنَّ الذي لا يجتنب الكبائر فصغائِرُه يكفرها العمرة، ومن ليس له صغيرةٌ، أو صغائره مُكَفَّرَةٌ بسبب آخر فالعمرة له فضيلة[6].
ويشهد لهذا المعنى قولُ النبيِّ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ»[7].
ولا يلزم من الحديث أنَّ مَن اعتمر مرةً واحدة ولم يُكررها أنَّه لا يحصل له شيء من هذا الفضل بتكفير الذنوب؛ فإنَّ الحديث خرج مخرج الحثِّ على العمرة والإكثار منها، على أنَّه لو لم تحصل لمن اعتمر مرة واحدة فضيلةُ تكفيرِ السيئات، فليس ثواب العمر مقتصرًا على ذلك، بل يُرفع درجاتٍ وتثبتُ له حسنات كثيرة. على أنَّه قد قال بعض العلماء: إن العمرة الواحدة تُكَفِّر بعض ما يحصل من الذنوب بعدها[8].
ثم انتقلﷺ إلى بيان فضيلة الحجِّ المبرور، والمبرور: مفعولٌ من الفعل "بَرَّ"، يريد أنَّ صاحبَه أوقعه على وجه البِرِّ[9]. وقد اختلف العلماء في المراد بالمبرور؛ فقيل: هو الذي لا رَفَثَ فيه ولا فسوق، مع الصيانة من سائر المعاصي. وقيل: هو الذي لم يتعقبه معصية. ولا ريب أنَّ القول الأخير فيه تكلفٌ وتشديد. وقيل: إنه الذي لا رياء فيه ولا سمعة، وكان بمالٍ حلال. وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى. وهو: أنه الحج الذي وُفِّيَتْ أحكامُه ووقع موافقًا لما طُلِبَ من المكلف على الوجه الأكمل[10].
فأخبر ﷺ أنَّ الحجَّ المبرورَ لا جزاء له إلا الجنة، ومعنى ذلك أنَّه لا يقتصر على مجرد تكفير الذنوب كالعمرة إلى العمرة، بل ينتهي به إلى دخول الجنة ولا بُدَّ[11].
قال ابن هبيرة رحمه الله: قوله: (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما)، إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - إلى أن كبار الطاعات يكفر الله بها ما كان بين الطاعة منها والطاعة الأخرى؛ لأنه لم يقل: كفارة لصغار ذنوبه بل أطلق إطلاقًا يتناول الكبار والصغار.
ثم قال: (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، يعني: أنه إذا زادت قيمته، وكثرة مقداره، وغلا ثمنه، فلم يكن يقاومه شيء من الدنيا، ولا نفيس من أعراضها، فلذلك قال: ليس له جزاء إلا الجنة، ومعنى ليس له جزاء إلا الجنة فهذا عقد يشتمل على أحكام كثيرة: فإن الجنة هي دار النظر إلى الله تعالى، وهي مقر الأمن من كل مخوف، والنيل لكل مطلوب، والوصول إلى كل مشتهى، والاجتماع لكل مشتاق، إلى غير ذلك[1].
وقال القرطبي رحمه الله: و(بَرَّ): يتعدى بنفسه. يقال: برَّ الله حجَّك. ويُبنى لما لم يسم فاعله، فيقال: بُرَّ حجُّك، فهو مبرور. ولا معنى لقول من قال: إنه لا يتعدى إلا بحرف الجر. واختلف في معنى المبرور، فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم. وقيل: المتقبَّل. وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمعَة.
قلت: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى. وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل[2].
وقال القاضي عياض رحمه الله: وقوله: "والحج المبرور"، قال الإمام: وهو على وزن مفعول، من البر. يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله ألا يتعدى إلا بحرف جر، إلا أن يريد بمبرور وصف المصدر فيتعدى حينئذ إليه؛ إذ كل ما لا يتعدى من الأفعال فإنه يتعدى إلى المصدر. ومعنى " ليس له جزاء إلا الجنة ": أى لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، ولابد أن يبلغ به إدخاله الجنة. قال القاضى: هذا الكلام كله إنما يتوجه على أن معنى المبرور ما أشار إليه، من أنه قصد به البر، وأما على غيره من التأويلات فلا يحتاج إلى حرف تعدية، فقد قيل: معنى " مبرور ": لا يخالطه شىء من مأثم، وقيل: المبرور: المتقبل، وقيل: الذى لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث ولا فسوق، وقيل: الذى لم تعقبه معصية[3].
وقال الزرقاني رحمه الله: قال الأُبِّيُّ: الأظهر أنه خرج مخرج الحث على العمرة، والإكثار منها، لأنه إذا حمل على غير ذلك يشكل بما إذا اعتمر مرة واحدة، إذ يلزم عليه أن لا فائدة لها، لأن فائدتها - وهو التكفير - مشروط بفعلها ثانية، إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيئات، بل يكون فيها، وفي ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا، كتب له كذا كذا حسنة، ومحيت عنه كذا كذا سيئة، ورفعت له كذا كذا درجة، فتكون فائدتها إذا لم تكرر ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات.
وقال شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن عرفة: إذا لم تكرر كُفِّر بعضُ ما وقع بعدها، لا كُلُّه، والله أعلم بقدر ذلك البعض[4].
وقال السِّنْدي رحمه الله: والحديث خصه ابن عبد البر بالصغائر وتعقب بأن اجتناب الكبائر مكفر
لقوله تعالى
{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ}
[النساء: 31]
الآية، فماذا تُكَفِّرُ العمرة؟ قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأن الذي لا يجتنب الكبائر فصغائرُه يكفرها العمرة، ومن ليس له صغيرة، أو صغائره مُكَفَّرَةٌ بسبب آخر فالعمرة له فضيلة[4].