عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَن نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ ‌يَغْتَسِلُ ‌فِيهِ ‌كُلَّ ‌يَوْمٍ ‌خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟" قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا. قَالَ: "فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا"؛ متفق عليه.

فوائد الحديث

الفوائد العلمية


  1. ضرب النبيُّ المَثَلَ بالنهر؛ لأن النهر لجريته لا يقف فيه الماء الأول الذي اغتسل به في المرة الأولى، وإنما يتجدد عند كل مرة من الاغتسال ماء جديد. فَشَبَّه رسول الله  الصلوات الخمس بالمرات الخمس في الاغتسال، وأن تلك المرة الأولى أزالت ما وجدته من الخطايا بإزالةٍ ذهبت بها الجرية، ثم جاءت الغسلة الثانية فغسلت ما عساه تجدد، ثم ذهبت به الجرية، ثم جاءت الغسلة الثالثة كذلك، فكانت الغسلات ماحيةً ما يتجدد بين كل غسلتين من الذنوب. وهذا لأن الذنوب إنما تصدر عن أعضاء الآدمي التي يستعملها في الصلاة، فيكون غَسَلَ ما نظر إليه نفسه، ونطق بلسانه، وبطش بيديه، ومشى برجليه؛ بأن شَغَلَ كلًّا من ذلك في عبادة ربه مرة بعد مرة، وكان ذلك ماحيًا لآثار الخطايا[1].

  2.  وضرب المثل بالماء؛ لأن الماء هو الماحي للكتابة، وقد سبق أن الكاتِبَيْنِ يكتبان حركات العبد وأنفاسه، فكانت الصلوات مزيلةً ما يرقمانه، كما يزيل الماء أثر الكتابة المكتوبة بالمداد[2].

  3. قال ابن عبد البر: وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرضٌ، والفروض لا يصح أداءُ شيءٍ منها إلا بقصدٍ ونيةٍ واعتقادِ أن لا عودة، فأما أن يصلي وهو غيرُ ذاكرٍ لما ارتكب من الكبائر ولا نادمٍ على ذلك فمُحَالٌ[3].

  4. دلَّ الحديثُ على اشتراطِ أداء الصلوات في أوقاتها؛ بدليل أنَّه  قال: "يغتسل منه كل يوم خمس مرات"، وهذا يدل على تفريق الصلوات خمس مرار في كل يوم وليلة، ومن جمع بينهما في وقت واحد أو في وقتين أو ثلاثة لغير عذر لم يحصل منه هذا التفريق ولا تكرير الاغتسال، وهو بمنزلة من اغتسل مرة أو مرتين أو ثلاثًا[4].

  5. استشكل بعضُ العلماء إشكالًا، مفادُه أنَّ الصغائرَ بنص القرآن مُكَفَّرَةٌ باجتناب الكبائر؛

    لقوله تعالى

    {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}

    [النساء: 31]

    ، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ وأُجيب بأن السؤالَ غيرُ واردٍ؛ لأن مراد الله "أن تجتنبوا" أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمانِ أو التكليفِ إلى الموت، والذي في الحديث أنَّ الصلوات الخمس تُكَفِّر ما بينها، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى الجواب. وعقَّب عليه ابن حجر بقوله: وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهلٌ؛ وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يَعُدْ مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها[5].

  6. أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة خمسة أحوال: أحدها أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يعاوض برفع الدرجات. ثانيها: يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تُكَفَّر عنه جزمًا. ثالثها: مِثْلُه لكن مع الإصرار؛ فلا تُكَفَّرُ إذا قلنا إن الإصرار على الصغائر كبيرة. رابعها: أن يأتي بكبيرةٍ واحدةٍ وصغائر. خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر؛ فعلى قولِ من قال: يُشترط اجتناب الكبائر لم يقل بتكفير الصغائر أصلًا، ومن لم يشترطها قال بتكفير الصغائر دون الكبائر[6].

 تمثيله بالنهر هو مبالغة في إنقاء الدرن؛ فإن النهر الجاري يذهب الدرن الذي غسل فيه ولا يبقى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد؛ فإن الدرن الذي غسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على طول الزمان؛ ولهذا روي النهي عن الاغتسال في الماء الدائم[7].


المراجع

  1. "الإفصاح عن معاني الصحاح" لابن هبيرة (6/ 200). 
  2. "الإفصاح عن معاني الصحاح" لابن هبيرة (6/ 200). 
  3. "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" لابن عبد البر (4/ 45). 
  4.  انظر: "فتح الباري" لابن رجب (4/ 223).
  5.  "فتح الباري" لابن حجر (2/ 12).
  6.  "فتح الباري" لابن حجر (2/ 12). 
  7. "فتح الباري" لابن رجب (4/ 224).

الفوائد اللغوية

7.قوله: «لو أن نهرًا» "لو" الامتناعية تقتضي أن تدخل علي الفعل الماضي، وأن يُجابَ عنها، والتقدير: لو ثبت نهرٌ بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا لما بقى من درنه شيء. فوضع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا؛ إذ هو في الحقيقة متعلق الاستخبار؛ أي أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟"[1].

8.في قوله: "ما تقول ذلك يبقى من درنه" إجراءٌ للقولِ مُجرى الظنِّ، على اللغة المشهورة، والشرط فيه أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطَب، متصلًا باستفهام[2].

9.قوله (فذلك) الفاء فيه جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ أى إذا قررتم ذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات[3]. 


المراجع

  1. "شرح المشكاة" للطيبي (3/ 864).
  2. "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" لابن مالك (ص: 150).
  3. "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" للكرماني (4/ 183).
الفوائد العقدية

10.أخذ أكثر أهل العلم بعموم هذا الحديث، فقالوا: إنه لا يُشترط في تكفير الذنوب الصغار أن تُجتنب الكبائر؛ بل يُغفر للمحافظ على الصلاة الصغائرُ بإذن اللهِ ولو أتى كبيرةً من الكبائر، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، واشترطوا اجتناب الكبائر، وقولُهم مرجوحٌ[1].


المراجع

  1.  انظر: "فتح الباري" لابن رجب (4/ 223).
الفوائد الحديثية

11.في إسناد الحديث ثلاثة تابعيين على التوالي، وهم يزيد بن عبد الله بن أسامة الأعرج، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف[1].

12.رواة الحديث كلهم مدنيون[2].


المراجع

  1. "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" للبدر العيني (5/ 15).
  2.  "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" للبدر العيني (5/ 15).
الفوائد التربوية

13.ينبغي على الداعية والمُعَلِّم أن يضرب الأمثالَ التي تُوضِّح المعاني وتُقَوِّيها، إذ تكمن فائدةُ التمثيل في تأكيد المعنى، وإظهار المعقول في صورة المحسوس[1].

14.الذنوب على أنواع؛ فمنها ما لا يغفره اللهُ تعالى، بل يُحبط جميع الأعمال، وهو الشرك؛

لقوله تعالى

{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}

[الزمر: 65]

ومنها ما لا يُغفر إلا بالتَّدارك وأداء الحقوق أو المسامحة، وهي حقوق العباد. ومنها ما يتوقف على المشيئة؛ إن شاء اللهُ غفر لصاحبه وإن شاء عذَّبه ثم أدخله الجنة. ومنها ما دون ذلك، وهي الصغائر، فتكفِّرها الأعمال الصالحة، والمصائب والبلايا التي تنزل على العبد، والمداومة على الصلوات، وغير ذلك.


المراجع

  1. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 11).

مشاريع الأحاديث الكلية