الشرح المفصل للحديث
جلس النبيُّ ﷺبين أصحابه، فسألهم عمَّا إن كان لرجلٍ بباب بيته نهرٌ جارٍ يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مرات، هل يبقى من درنه شيءٌ بعد مداومته على الاغتسال بهذه الصورة؟ والدَّرَنُ: الوَسَخ()، ويُطلق أيضًا على الحُبُوب والقُرَح الصغيرة التي تحدث في جسد الإنسان، والتي لا تبلغ مبلغ الجذام والأمراض الكبيرة[1].
وفي قوله ﷺ: "ببابِ أحدكم" تنبيهٌ على قُرب تناولِه وسهولةِ تأتِّي استعمالِه، بخلاف ما إذا كان النهرُ بعيدًا وفي إتيانه والاغتسال منه مشقة[2].
واستفهام النبيِّ ﷺ يُراد منه التقريرُ لا الاستفهام؛ إذ لا يخفى على أحدٍ أنَّه لا يبقى من دَرنِ المغتسل مِرارًا شيءٌ[3]. ولذلك لمَّا كان الأمرُ لا يخفى على كلِّ أحدٍ، أجابه الصحابةُ بجوابٍ فيه توكيدٌ ومبالغة؛ فقالوا: "لا يبقى من درنه شيء"، ولو قالوا: "لا" لحصل المقصود، غير أنَّ القصدَ المبالغةُ في النفي[4].
فلمَّا أجابوا بذلك، أخبرهم النبيُّ ﷺ أنَّ الصلاةَ في تكفير الذنوبِ كالاغتسال بالنسبة لإزالة الأدران والأوساخ؛ فالصلاةُ بعد الصلاةِ تُكَفِّر الذنوب وتمحو الخطايا،
وتصديق ذلك من كتابِ الله تعالى
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}
وقالﷺ أيضًا في حديثٍ آخر: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ». قَالَ الْحَسَنُ: «وَمَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنَ الدَّرَنِ؟»[6].
وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجعل مثل ذلك مثل مَن ببابه نهرٌ يغتسل فيه كلَّ يومٍ خمسَ مِرارٍ، فكما أنَّ درنه ووسخه يُنَقَّى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء[7].
وظاهرُ هذا الحديث أنَّ الصلوات الخمس تُكفِّر جميع الذنوب؛ الصغار والكبار، إلَّا أنَّه قد ورد في أحاديث أخرى تقييد ذلك باجتناب الكبائر، فدلَّ على أنَّ الصلوات الخمس إنما تُكَفِّر الصغائرَ فحسب[8]،
«الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»
ويشهد له ذِكرُ الدَّرَن في الحديث؛ فإنَّ الدَّرن بالنسبة إلى غيره من الجراحات والأمراض صغيرٌ[10].
وقد أخذ أكثر أهل العلم بعموم هذا الحديث، فقالوا: إنه لا يُشترط في تكفير الذنوب الصغار أن تُجتنب الكبائر؛ بل يُغفر للمحافظ على الصلاة الصغائرُ بإذن اللهِ ولو أتى كبيرةً من الكبائر، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، واشترطوا اجتناب الكبائر، وقولُهم مرجوحٌ[11].
المراجع
- انظر: "تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم" للحميدي (ص: 307)، "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (2/ 115).
- انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 157)، "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن (6/ 134).
- انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (2/ 644).
- انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (2/ 645).
- انظر: "شرح المشكاة" للطيبي (3/ 865).
- انظر: "شرح المشكاة" للطيبي (3/ 865).
- أخرجه مسلم (668)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
- "فتح الباري" لابن رجب (4/ 221).
- انظر: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (2/ 294)، "فتح الباري" لابن رجب (4/ 221).
- أخرجه مسلم (233)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
- انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 157)، "اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح" للبرماوي (3/ 337).
النقول
قال ابن رجب رحمة الله : وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة. وقد ذهب طائفة من العلماء، منهم: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا - إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفر الصلوات شيئاً من الصغائر، وحكاه ابن عطية في " تفسيره" عن جمهور أهل السنة؛ لظاهر قوله: ((ما اجتنبت الكبائر)). والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجحه ابن عطية، وحكاه عن الحذاق: أن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفر الصغائر مطلقًا إذا لم يصر عليها، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر[1].
قال ابن الملقن رحمة الله : وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة والأدران المشاهدة في بدنه وثيابه؛ فيطهره الماء الكثير العذب إذا والى استعماله، وواظب عَلَى الاغتسال منه، فكذلك تطهر الصلاة العبد عن أقذار الذنوب حَتَّى لا تبقى له ذنبًا إلا أسقطته وكفرته، ويكون ذَلِكَ بالوضوء كالصلاة، وإنما يكفر الوضوء الذنوب؛ لأنه يراد به الصلاة، كما طلب بالمراد، وهو الصلاة، وذلك أقوى في التكفير، وأولى بالإسقاط، وكما يطهر الماء الوسخ، فكذلك يذهب الهموم والغموم الداخلة عَلَى العبد أيضًا، فإن الهموم أصلها الذنوب[2].
قال القسطلاني رحمة الله: فإن قيل: خاطب أولاً الجماعة بقوله أرأيتم ثم أفرد في تقول فما وجهه؟ أجاب في المصابيح: بأنه أقبل على الكل أولاً فخاطبهم جميعًا، ثم أفرد إشارة إلى أن هذا الحكم لا يخاطب به معين لتناهيه في الظهور فلا يختص به مخاطب دون مخاطب[3].
وقال القسطلاني أيضًا رحمة الله: قال الدماميني رحمه الله تعالى: شبه على وجه التمثيل حال المسلم المقترف لبعض الذنوب المحافظ على أداء الصلوات الخمس في زوال الأذى عنه وطهارته من أقذار السيئات، بحال المغتسل في نهر على باب داره كل يوم خمس مرات في نقاء بدنه من الأوساخ وزوالها عنه، ويجوز أن يكون هذا من تشبيه أشياء بأشياء، فشبهت الصلاة بالنهر لأنها تنقي صاحبها من درن الذنوب كما ينقي النهر البدن من الأوساخ التي تعلق به بالاغتسال فيه، وشبه قرب تعاطي الصلوات وسهولته بكون النهر قريبًا من مجاورته على باب داره، وشبه أداؤها كل يوم خمس مرات بالاغتسال المتعدد كذلك، وشبهت الذنوب بالأدران للتأذّي بملابستها، وشبه محو السيئات عن المكلف بنقاء البدن وصفائه. والأول أفحل وأجزل[4].
المراجع
- "فتح الباري" لابن رجب (4/ 223).
- "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (6/ 134).
- "شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (1/ 483).
- "شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (1/ 483).