عن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:«أكْملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهُم خلقًا. وخيارُكُم خيارُكُم لنسائِهِم»
عن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:«أكْملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهُم خلقًا. وخيارُكُم خيارُكُم لنسائِهِم»
يذكر النبيُّ ﷺ أن الناس يتفاوتون في الإيمان، فأكملهم إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، وخيرُهم على الإطلاقِ أفضلهم في معاملة زوجاته وبناته ونحوهن من نسائه وأهل بيته.
الشرح المفصل للحديثخبر أنَّ الناس يتفاوتون في الإيمان فيما بينهم، وهذا أصلٌ من أصول اعتقاد أهل السُّنَّةِ والجماعة، وهو أن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، يزيدُ بالطاعة، وينقص بالمعصية، والأدلة على هذا كثيرةٌ، منها:
قولُه تعالى
{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}
[التوبة: 124، 125]
وقوله سبحانه
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}
[الفتح: 4]
وقوله جلَّ وعلا
{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}
[المدثر: 31]
ولهذا قال البخاري رحمه الله: «لقيتُ أكثَرَ من ألفِ رجُلٍ من العُلَماءِ بالأمصارِ، فما رأيت أحدًا يختَلِفُ في أنَّ الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، ويَزيدُ ويَنقُصُ»، وقال عبد الغني المقدسي: « اعلَمْ -وفَّقَنا اللهُ وإيَّاك- أنَّ صالحَ السَّلَفِ وخيارَ الخَلَفِ وسادةَ الأئِمَّةِ وعُلَماءَ الأمَّةِ؛ اتَّفَقَت أقوالُهم وتطابَقَت آراؤُهم على -وذكرَ أمورًا؛ منها:- والإيمانُ بأنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ ونيَّةٌ، يَزيدُ بالطَّاعةِ، ويَنقُصُ بالمعصيةِ».[1]
وفي هذا الحديث يذكر النبيُّﷺ أنَّ الإيمان يكتمل عند المرء بحُسنِ خُلُقِه، والخُلُقُ
عبارة عن أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره ويخالطه، وهي منقسمة إلى محمودة ومذمومة، فالمحمود منها صفات الأنبياء والأولياء والصالحين كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمل الأذى، والإحسان للناس والتودد لهم، والمسارعة في قضاء حوائجهم، والرحمة بهم، والشفقة عليهم، واللين في القول، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور، والقيام على نفسك لغيرك.[2]
ويعني بحُسن الخُلق: الإنصافَ في المعامَلة، والرِّفق في المجادَلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان[3]"، أو أن حُسن الخلُق يشمَل كلَّ خصال الخير والطاعة؛ فـ"البِرُّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللُّطف، والْمَبَرَّة، وحُسن الصُّحبة والعِشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامعُ حُسن الخلُق".[4]
والمراد بحُسن الخُلق: "أي: حُسن الخُلق مع الله، وحُسن الخُلق مع عباد الله، فأما حُسن الخُلق مع الله، فأن تتلقَّى أحكامَه الشرعيةَ بالرضا والتسليم، وألَّا يكون في نفْسك حرجٌ منها، ولا تَضِيقَ بها ذَرْعًا، فإذا أمرك الله بالصلاة، والزكاة، والصيام وغيرها، فإنكَ تُقابل هذا بصَدر مُنشرِح. وأيضًا حُسن الخُلق مع الله في أحكامه القدَرية؛ فالإنسان ليس دائمًا مسرورًا حيث يأتيه ما يُحْزنه في ماله، أو في أهله، أو في نفْسه، أو في مجتمَعه، والذي قدَّر ذلك هو اللهُ عزَّ وجلَّ، فتكون حَسنَ الخُلق مع الله، وتقوم بما أُمِرْتَ به، وتَنزجر عمَّا نُهِيتَ عنه. أما حُسن الخُلق مع الناس، فهو: بَذْل النَّدى، وكفُّ الأذى، والصبر على الأذى، وطَلاقة الوجه".[5]
ولذلك كان النبيُّ ﷺ أكمل الناس إيمانًا؛ لكونه أعظمهم خُلُقًا. وإنما كان حصولُ كمالِ الإيمان بحسن الخلق[6]؛ لأنَّ الإيمان لا يكمل حتى يُوجب حسن الخلق، والإحسان إلى الإنسان.[7]
ثُمَّ أخبر ﷺ أنَّ من خيار المسلمين خِيارُهم لأهلهم ونسائهم، وليس معنى ذلك أنَّ الأفضلية مطلقةٌ لمن كان خيِّرًا لنسائه؛ فمعنى "خياركم" أي: من خياركم. ومراده أنَّ حسن العشرة مع الأهل من جملة الأشياء المطلوبة في الدين، فالمتصف به من جملة الخيار من هذه الجهة. ويحتمل أن المتصف به يُوَفَّقُ لسائر الصالحاتِ حتى يصير خَيْرًا على الإطلاق. [8]
وإنما ذكر النبيُّ ﷺ النساء، وأراد بهم حلائله وأبعاضُه من الزوجات والأخوات والبنات ونحوهن؛ لأنَّ النساء محل الرحمة[9] لضعفهن؛ فمَن عاملهنَّ بالصبر على أخلاقهنَّ ونقصان عقلهنَّ، وكَفَّ الْأَذَى عنهنَّ، وبذل الندى وَحسن الْخلق إليهن، وحفظهنَّ عَن مواقع الريب، فهو الكريم[10]. وقد قال ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».[11]
قال ابن رسلان: الخُلُقُ: عبارة عن أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره ويخالطه، وهي منقسمة إلى محمودة ومذمومة، فالمحمود منها صفات الأنبياء والأولياء والصالحين كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمل الأذى، والإحسان للناس والتودد لهم، والمسارعة في قضاء حوائجهم، والرحمة بهم، والشفقة عليهم، واللين في القول، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور، والقيام على نفسك لغيرك[1]
وقال المناوي: وَلذَلِك كَانَ الْمُصْطَفى أحسن النَّاس خلقا لكَونه أكملهم إِيمَانًا (وخياركم خياركم لنسائهم) أَي من يعاملهنّ بِالصبرِ على أخلاقهنّ ونقصان عقلهن وكف الْأَذَى وبذل الندى وَحسن الْخلق وحفظهن عَن مواقع الريب وَالْمرَاد بهم حلائله وأبعاضه[2]