فقهٌ:
إن الله حل جلاله جعل للحسنات درجات، وجعل للسيئات درجات، فالحسنات العظيمة ثوابها كبير عند الله تعالى، وأما السيئات فمنها صغائر وكبائر، فصغائر الذنوب تُكَفِّرها وتُذهبها الحسنات ومتابعة الصلوات، وصوم رمضان ونحو ذلك، وأما الكبائر فإنها لا تُكَفَّر إلا بالتوبة النصوح، ولقد حذرنا النبي ﷺ في هذا الحديث من بعض الكبائر، وسماها بالسبع الموبقات؛ الموبقات هي الذنوب المهلكات؛ وسميت بذلك؛ لأنها تُهْلِك صاحبها بما يترتب عليها من عقابه في الدنيا، ودخول النار واستحقاق عذابها في الآخرة.
وليس الغرض حصر الموبقات في هذه السبع. بل الغرض التنبيه بها على أمثالها أو ما زاد فحشه عن فحشها كالزنا، والسرقة والغلول - الخيانة في الغنيمة - وأمثالها من الكبائر التي جاء فيها الوعيد الشديد بالعذاب الأليم.
1- فقد حذر النبي ﷺ أصحابه من هذه الذنوب المهلكات، فقال لهم: اجتنبوا السبع الموبقات.
2- فلم يكن الصحابة على دراية بها، فسألوا النبي ﷺ عنها، وقالوا: ما هي يا رسول الله ﷺ؟!
3- فقال النبي ﷺ: الشرك بالله. وهو أعظم الذنوب وأكبرها، وليس بعده ذنب، وهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله تعالى.
4- وَالسِّحْرُ، الذي هو وسيلة الاتصال بالشياطين، ويتسبب في التعمية والتلبس على الناس، وضرهم وأذاهم، والتأثير فيهم بالحب أو الكره. ولقد جعل العلماء السحر من نواقض الإسلام، ومن أسباب الكفر بالله تعالى؛ لأنه فيه استعانة بغير الله جل جلاله.
5- وقتل النفس التي حرمها الله -وهي نفس المسلم- إلا بالحق، والحق هو: الردة وإقامة حدٍّ. وقد أعدَّ الله للقاتلين عقابًا على جريمتهم، فجعل جزاءهم جهنم وساءت مصيرًا،
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
6- وَأَكْلُ الرِّبَا، فقد حرم الله تعالى ورسوله ﷺ وجعل الله آكل الربا بمثابة من يحارب الله تعالى ورسوله ﷺ ويتحداهما، وقد لعن رسول الله ﷺ آكله وموكله وكاتبه وشاهده.
7- وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، فقد أمر الله تعالى بحفظه وصيانته؛ لأن اليتيم ضعيف لا يملك لنفسه شيئًا؛ لذلك كان أخذ ماله بغير حق كبيرة من كبائر الذنوب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾
8- وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وهو الفرار من العدو والجبن عن لقائه في الحرب، وتلك كبيرة حرَّمها الله تعالى؛ لأنها تُظْهِر ضعف المسلمين وعجزهم وقلة حيلتهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
9- وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ؛ وقذف المحصنات هو: اتهامهم بالزنا وعدم العفاف مع عدم وجود دليل على ذلك، وذلك ذنب شنيع لا يخفى على عاقل،
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
اتباع:
• إن الشرك بالله تعالى من أعظم الذنوب، ولا يوجد ذنب أعظم منه، وإن الله تعالى يغفر للعبد أي ذنب إن شاء تعالى، إلا الشرك فإنه لا يغفره.
• إذا نجاك الله تعالى من الشرك فإنك في نعمة عظيمة من الله تعالى؛ فاحمد ربك على ذلك، فقد وضعك على طريق الجنة.
• إن ذنب الشرك يشترك فيه الساحر ومن يذهب إليه ومن يصدك بسحر الساحر، والسحر نوع من أنواع الشرك؛ لأن فيه استحانة بغير الله تعالى، وادعاء علم الغيب.
• إن القتل جريمة اجتماعية ودينية نكراء، وإن الله تعالى كرَّم الإنسان، وجعل إزهاق روحه من الكبائر، وقد جعل الله تعالى حرمة دم المسلم أشد من حرمة الكعبة.
• إن مال اليتيم أمانة في يد من يقوم عليه ويرعاه، فيجب عليه أن يصون الأمانة ويحفظها، فإنه مسؤول عنه يوم القيامة.
• إن الربا باب من أبواب الشر، فلم يدخل الربا بيتًا إلا هدمه وجعل حياة أهله في كرب وهم وغم، لأن صاحبه محارب لله جل جلاله ورسوله ﷺ، فمن يستطيع أن يحارب الله ورسوله ﷺ.
• إن قذف المحصنات المؤمنات جريمة كبيرة جعل لها الشرع عقابا شديدًا؛ لأنها تسبب التفرقة بين الأسر ودمار البيوت وفساد أحوال أهلها.
• إذا وقعت في واحدة من هذه الكبائر؛ فإنَّ باب التوبة مفتوح لك، فلا تقنط من رحمة الله، وتب إلى ربك، قبل أن ينقضي أجلك.