عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ:  1- "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، 2- ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاءُ، 3- وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، 4- حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، 5- قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)﴾ [العلق: ١ – ٣]»، 6- فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. 7- فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». 8- فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا: 9- إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، 10- وَتَحْمِلُ الكَلَّ، 11- وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، 12- وَتَقْرِي الضَّيْفَ، 13- وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، 14- فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرءًا تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، 15- فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا بْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، 16- يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ! 17- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، 18- وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. 19- ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ" 

فقه و اتباع

فقه:

1- تخبر السيدة عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ مع النبي ﷺ من أمور الوحي هو الرؤية الصادقة، فكان النبي ﷺ يرى الشيء في منامه، فيجده متحققًا في الواقع واضحًا جليًّا كوضوح الصبح ونوره، ولم تكن هذه الرؤيا مثل رؤيا الناس وأحلامهم، بل كانت ثابتت الوقوع والحدوث.

2- ولما رأى النبي ﷺ المجتمع الذي يعيش فيه كله شرك بالله تعالى، كره التواجد بينهم، فأحب الخُلْوَة بالنفس والانفراد بها، بعيدًا عن مخالطة الناس، لأن الخلوة تشغله بنفسه وبربه، وتبعده عن الشرك وأهله.

3- فكان يخرج إلى غار في جبل حِرَاء بمكة؛ يتعبَّدُ فيه لله تعالى، فيأخذ معه طعامه وشرابه، ويجلس هناك ليالٍ طويلة، ثم بعد ذلك يرجع إلى أهله فيأخذ طعامه وشرابه ثم يرجع إلى الغار مرة أُخْرى.

4- وفي ليلة من الليالي كان النبي ﷺ يتعبد في الغار، فنزل عليه المَلَك، وهو جبريل ﷺ أمين الوحي، فقال له: «اقرأ»، فردَّ عليه ﷺ: «ما أنا بقارئٍ»؛ أي: لا أعرف القِراءةَ؛ فقد كان ﷺ أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.

5- فلما رد عليه النبي ﷺ وقال: "ما أنا بقارئ" أخذه جبريل فضمَّه وعصَره حتى أتعبه ونالته المشقة، ثم تركه وقال له: «اقرأ»، فردَّ عليه ﷺ بالردِّ السابق نفْسِه، ﷺ فأخذه فضمَّه كذلك، ثم أرسله من جديدٍ، فأخذه الثالثة وضمَّه إليه، ثم أرسله، ثم قال:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[العلق: 1 - 5]

فكان ذلك أوَّل ما نزل من القرآن.

6- فرجع النبي ﷺ إلى زوجته خديجة رضي الله عنها خائفًا يخفِق قلبُه وينبض بشدة مما أصابه من الخوف، فدخل عليها يطلب منها أن تُغَطِّيَه؛ فإنه يشعر بالخوف والبرودة، فغَطَّته ولفَّته حتى ذهب عنه ما به من شدة الخوف.

7- ثم حكى لها النبي ﷺ ما حدث له في الغار، وأخبرها بأنه خاف على نفسه أن يموت من شدة الخوف.

8- فطمأنته السيدة خديجة وهدَّأته، وأخبرته بأنه إنسان صاحب خُلُق عظيم، ويستحيل أن يسوء الله تعالى إنسانًا بهذا الخُلُق الكريم، ثم أخذت تعدد أخلاقه.

9- من صلة الرحم وزيارة الأقارب وودهم.

10- وإعانة من أثقلته وأتعبته الحياة كاليتيم والمسكين.

11- مِن إعطاء المال لمن لا يجد مالًا.

12- ومِن إكرام وإطعام الضيف وتقديم الطعام والشراب له.

13- ومن إعانته الناسَ فيما ينزل عليهم من المصائب.

14- ثم أخذته السيدة خديجة رضي الله عنها إلى ابن عمها ورقة بن نَوْفَل، الذي ترك عبادة الأصنام واعتنق النصرانية، وقد كان عالمًا بالتوراة والإنجيل، ويعلم كثيرًا من أخبار الأنبياء السابقين.

15- فأخبر النبي ﷺ ورقة بما حدث له، فقال له ورقة: إن الذي رأيته هو صاحب السِّر والوحي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، يريد به جبريل عليه السلام، وإنَّما سمَّاه بذلك لاختصاصه بالوحي من بين سائر الملائكة.

16- ثم أخبره ورقة بأن قومه -أهل مكة- سيخرجون النبي ﷺ من مكة، وتمنى أنه كان شابًّا قويًّا يستطيع أن يدافع عن النبيِّ ﷺ ويجاهد معه، ويرجو أن يكون حيًّا وقتئذٍ.

17- فتعجب النبي ﷺ من كلام ورقة، وسأله قائلا: وهل أهلي سيخرجونني من بلدي؟ فقال له ورقة: نعم، فهذا حال الأنبياء كلهم، ما من نبي أرسل إلى قومه إلا وحاربه قومه وأخرجوه من بلده.

18- وتمنى ورقة أن يعيش حتى يُرْسَل النبي ﷺ إلى قومه؛ ليؤمن به وينصره.

19- ولم يمض وقت طويل بعد هذا الكلام حتى مات ورقة، وانقطع الوحي مدة عن النبي ﷺ.

اتباع: 

• إن الله تعالى نجَّي النبي ﷺ من عبادة الأصنام قبل الإسلام، فالنبي ﷺ لم يعبد صنمًا أبدًا، وكان يبتعد عن الشرك والمشركين ويتفكر في عظمة الله تعالى ويتأمل في الكون؛ لذلك حُبِّبَ إليه الذهاب للغار.

• الرؤية الصالحة جزء من النبوات، فإن النبوات انتهت بموت نبي الله محمد ﷺ ولم يبقَ من أثرها شيء سوى الرؤيا الصادقة.

• تروي عائشة رضي الله عنها هذا الحديث، وفيه بيان فضائل خديجة رضي الله عنها التي قالت في حقها: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ» [1]، ولم تمنعها الغيرة التي فطر اللهُ النساءَ عليها من أن تُحَدِّث بهذا الحديث؛ فلا يجدر بإنسانٍ أن يكتم فضلَ امرئٍ أو يجحد حقَّه لمنافسته أو خصومته.

• تضرب لنا السيدة خديجة رضي الله عنها خير مثل للزوجة الصالحة التي تحتوي زوجها وقت الشدائد والأزمات؛ فيجب على البنات والنساء المؤمنات الاقتداء بها.

• كان النبي ﷺ قبل الإسلام ذا خُلُق عظيم، فقد كان يصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ.

• أدركت خديجةُ العاقلة سنة الله تعالى الكونية بأن الله يعين من يعين الناس، فلا يخزيه؛ فلا تبخل بجهد بدنك أو مالك أو وقتك أو فكرتك، وقدم المعروف للناس بنفس قوية منشرحة، واحتساب لله، وابذل في وقت رخائك لشدتك.

• موقف النبي ﷺ والسيدة خديجة مع ورقة بن نوفل يدلنا على أن الإنسان إذا وقع في أمر أو جهل شيئًا؛ يجب عليه أن يذهب إلى من هو أعلم منه وأكثر خبرة؛ وسيجد الجواب الكافي.

• إن مُعَادة الأنبياء والصالحين قديمة، فما من نبي أرسله الله تعالى إلا أوذي وعُذِّب، فلا تحزن إن كنت ناجحًا وعاداك الفاشلون، أو كنت صالحًا وعاداك المشركون والعاصون.

• اقتدِ بنبيك ﷺ وحاول جاهدًا أن تختلي بنفسك لعبادة الله تعالى والتأمل في مظاهر قدرته وعظمته.

المراجع

1. رواه البخاري (3816)، ومسلم (2435).


مشاريع الأحاديث الكلية