فقه:
1- بينما هم جالسون عند رسول الله ﷺ إذ طلع عليهم رجلٌ غريب عنهم؛ فهو شابٌّ شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، ولا يبدو أنه مسافرٌ إذ لا تبدو عليه علامات السفر فهو جميل الهيئة، نظيف الثوب، وليس هذا حال المسافر في الصحراء، لأن من يسافر في الصحراء تتسخ ثيابه، وتكون هيئته غير مرتَّبة.
2- ثم إن هذا الرجل اقتحم المجلس حتى جلس أمام النبيِّ ﷺ وألصق ركبتيه بركبتي النبيِّ ﷺ ووضع كفَّيه على فخذي نفسه، متهيئًا ومستعدًا لطلب العلم، متواضعًا للنبيِّ ﷺ في جِلْسَته تلك.
3- ثم قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام.
4- فأجابه النبيُّ ﷺ عن الإسلام، وذكر له أنَّه يقوم على خمسة أركان، وأولها: شهادة أن لا إله إلا الله.
5- ولا يتم الإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله فقط، بل يجب أن يشهد بأن محمدًا ﷺ رسول الله.
6- الركن الثاني من أركان الإسلام: إقامةُ الصلاة، وهو إقامتها على الوجه اللائق بها، كما ينبغي أن تُؤدى، وبالطريقة التي فعلها رسول الله ﷺ فيخشع في صلاته ويستحضر عظمة الله سبحانه فيها.
7- والركن الثالث: أداء الزكاة، وهي ما يجب على الإنسان في ماله الذي رزقه الله، على التفصيل المشروع الذي بيَّنه الشرع الحنيف. فيُخرج الإنسانُ زكاتَه عن طيب نفس منه، مؤمنًا بأنها واجبة عليه، محتسبًا الأجر والثواب عند الله؛ فإن الزكاة سبب لطهارة المال والبركة فيه.
8- والركن الرابع من أركان الإسلام هو الصيام، بترك الطعام والشراب والجماع في نهار شهر رمضان، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
9- ثم الركن الخامس: حجُّ بيتِ الله الحرام في مكة، وما يتعلق به من عبادات، بأحكم مخصوصة، وهي تجب مرة في العمر، بشرط الاستطاعة البدنية والمالية.
10- فلمَّا انتهى النبيُّ ﷺ من جوابه قال له الرجل: صدقتَ، فتعجَّب الصحابة كيف يسأله عن شيء لا يعرفه، ثم يُصَدِّق النبي ﷺ عليه؛ فإن المُصَدِّق من شأنه أن يكون عالمًا بالشيء، وليس جاهلًا جاء ليسأل عنه.
11- ثم سأله عن الإيمان، وهي المرتبة الثانية من مراتب الدين بعد الإسلام، فقال ﷺ: الإيمان أن تؤمن بالله؛ أي: تؤمن به ربًّا خالقًا ورازقًا ومالكًا ومدبِّرًا، وتؤمن به إلهًا ومعبودًا، وتؤمن بأنَّ له الأسماء الحسنى والصفات العُليا.
12- والإيمان بالملائكة: أن تؤمن بوجودهم، وأنَّهم مخلوقون من النور، وأنَّهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
13- والإيمان بالكتب: الإيمان بأنها منزلة من عند الله تعالى، وذلك بتصديق ما فيها، ولكن لا يجوز لنا العمل إلا بالقرآن الكريم؛ لأنه آخر الكتب المنزلة من عند الله، فقد غُيِّرت به الأحكام الواردة في الكتب السابقة.
14- والإيمان بالرسل: الإيمان بهم جميعًا تصديقُهم فيما أرسلوا به، وأنَّ الله قد أوحى إليهم، وأنهم خير خلق الله تعالى.
15- والإيمان باليوم الآخر: الإيمان بيوم القيامة وبكل ما فيه من بعث وحساب، وجنة ونار، وصراط وميزان، وسائر ما صحَّت الأخبار به.
16- والإيمان بالقَدَر: أن نؤمن بأن الله عزَّ وجل عَلِم أفعال العباد وما يجري لهم، وأنه سبحانه كتب ذلك عنده قبل أن يخلق الخلق، فجميع ما يعمله الإنسان يعلمه الله تعالى وهو مكتوب عنده.
17- ثم سأله عن الإحسان، وهي المرتبة الثالثة من مراتب الدين، فأخبره أنَّ الإحسانَ هو: أن يعبدَ الإنسانُ ربَّه كأنَّه يرى ربَّه أمامه، فإذا يكن الإنسان يري ربه فإن الله تعالى يراه.
18- ثم سأله السائلُ عن الساعة -يوم القيامة- متى تقوم؟ فقال له رسول الله لا أعلم عنها أكثر مما تعلم أنت؛ فإنَّه لا يعلم ميعادها إلا الله جل شأنه.
19- فترك هذا السؤال وسأله عن علامات الساعة، فأجابه ﷺ بأن من علاماتها أن تَلِد الجاريةُ سيدتَها، وهو أن يكثر الرقيق حتى تلد الأمةُ لسيِّدها بنتًا، فتكون البنتُ حُرَّةً سيِّدَةً، وأُمُّها أمَة -جارية-.
20- ومن علاماتها أيضًا أن يصير الفقراء الذين كانوا يمشون حُفاةً لا نعال لهم، عُرَاةً لا يجدون ما يستر أجسادهم، ورعاة الغنم الذين لا يجدون إلا قوت يومهم، أغنياءَ حتى إنَّهم يبنون بيوت عالية.
21- ثم انطلق الرجل، فانتظر عمر فترةً يسيرةً، ثم قال له ﷺ: أتدري من هذا الرجل؟ فقال عمر: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ: هذا جبريل، جاءكم يعلمكم دينكم.
اتباع:
• لما دخل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ جلس جلسة طالب العلم المؤدب، وسأل عن أركان الدين بكل أدب وتواضع، فإذا كان هذا حال ملك من كبار الملائكة، فالأَوْلى بنا أن نلتزم الأدب أثناء طلب العلم.
• إن الدين درجات ومراتب، وكلما ارتفعت درجة ازدت من الله تعالى قربًا وحُبًّا، وكنت أكثر تعلُّق بدينك.
• أول شيء يجب العناية به هو أركان الإسلام الخمس، فيجب على المسلم تحقيقها ما استطاع؛ لأن الإسلام لا يتم إلا بتمامها.
• وليس معنى هذا أن الإسلام ينحصر في تلك العبادات فحسب، بل هي أركانه التي لا يقوم بدونها، وسائر العبادات مكملة لهذا البناء، ويؤثر فقدها في تشويه البناء مع بقاء أركانه، بخلاف الأركان التي إن فُقدت انهدم البناءُ أصلًا.
• أعلى مراتب الدين مرتبة الإحسان، فحاول أن تحمِلَ نفسك على أن تعبد الله وكأنك تراه، وإن لم تكن تراه؛ فاعبد الله تعالى واعلم أنه يراك.
• إذا علمت أن الله تعالى يراك ويطلع عليك دائمًا، فيجب عليك أن تستحي أن تفعل معصية؛ حتى لا يراك الله تعالى وأنت تفعلها.
• الإسلام عظَّم شأن اليوم الآخر، وهو إن لم يخبر بوقته فقد أخبر بعلاماته، وهي تحفز على الاستذكار الدائم ليوم القيامة.
• أعطى اللهُ سبحانه الملائكةَ القدرةَ على التشكُّل في صورة الآدميين وغيرهم.