فقه:
هذا حديث قدسي يرويه النبي ﷺ عن ربه تعالى، والحديث القدسي يختلف عن القرآن، فإن القرآن معناه ولفظه من الله تعالى، أما الحديث القدسي، فإن معناه من الله تعالى ولفظه من عند الرسول ﷺ.
1. ينادي الله تعالى على عباده رحمة بهم وشفقة عليهم، فيقول: يا عبادي، إني منعت الظلم على نفسي مع أني قادر عليه، رحمة بالناس، فلن يظلم الله تعالى أحدًا من خلقه. وكما حرم الله تعالى على نفسه الظلم، فقد حرمه على الناس جميعًا، وأمرهم بأن لا يظلم بعضهم بعضًا؛ لأن الظلم عواقبه شديدة في الدنيا والآخرة.
2. ثم يكرر الله تعالى النداء على خلقه، مبينًا لهم أن جميع الخلق في ضلال، إلا من هداه الله للإسلام وبيَّن له الحق، فلم يهتد أحد من الناس بذكائه وعقله، بل اهتدى بتوفيق الله تعالى وفضله؛ ولذلك أمر الله تعالى عباده أن يسألوه الهداية ويطلبوا منه التوفيق؛ لكي يهديهم ويوفِّقهم.
3. ثم يكرر الله جل جلاله النداء على عباده، ليخبرهم بأن جميع الخلق جائع إلا من رزقه الله تعالى من فضله فأطعمه وسقاه، فلو أن الله تعالى لم يرزق الإنسان من فضله العظيم وكتب عليه الجوع والعطش، فلن يستطيع أحد في الدنيا أن يعطيه طعامًا ولا شرابًا؛ لأن كل شيء بأمر الله تعالى وتدبيره، ثم أمرهم أن يدعوه ويسألوه الطعام وسوف يطعمهم.
4. ثم كرر النداء على عباده؛ ليخبرهم بأنهم كلهم عراة إلا من كساه الله تعالى، وأمرهم أن يطلبوا لباسهم وكسوتهم منه؛ لأنه تعالى لو شاء لمنعه عنهم.
5- ثم نادى الله تعالى عباه وذكَّرهم أنهم يكثرون من الذنوب والمعاصي بالليل والنهار سرًّا وعلانية، وأنَّ الله تعالى هو الذي يغفر الذنوب جميعًا، وأمرهم أن يطلبوا منه المغفرة الرحمة؛ كي يغفر لهم ويرحمهم.
6- ثم نادى الله تعالى عباده ليخبهم أنهم عاجزون عن أن ينفعوا الله تعالى أو يضروه؛ لأن كل شيء بيده، وهم جميعًا مخلوقون له، وليس في وسع المخلوق ضرُّ الخالق أو نفعه.
7. ثم يكرر الله رحمه الله النداء على عباده، ويخبرهم أنَّ طاعةَ العباد جميعًا لا تنفعه، فلو كان إيمانُ الإنسِ والجِنِّ جميعًا كإيمانِ النبيِّ ﷺ ما زاد ذلك في مُلك الله شيئًا،
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
8. ثم يكرر الله النداء لعباده، ويخبرهم أنَّ معصيتهم جميعًا لا تضرُّه، فلو كان كُفرُهم وفجورهم مثل كُفر إبليس ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا،
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
9. ثم يصف سبحانه عظيم فضله ونعمه التي لا تُعدُّ ولا تحصى، فيذكر أن جميع الخلائق منذُ أن خَلَق اللهُ السمواتِ والأرضَ إلى أن تقوم الساعةُ لو قاموا جميعًا في أرضٍ واحدة، فدعا كلُّ واحدٍ منهم ربَّه بما يريده من العطاء والرزق، فأعطاه الله تعالى ما يريد، ما أثَّر ذلك في مُلك الله شيئًا، وما نقص ذلك من فضله وخيره، وضرب لذلك مثلًا فصوَّره بالإبرة إذا أُدخلت في البحر، أَتَراهَا تنقص من مائه شيئًا؟! فكذا فضلُ اللهِ تعالى لا آخِرَ له.
10. ثم أخبر سبحانه وتعالى أنَّ عاقبةَ الإنسانِ متوقفةٌ على عمله، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يكتب علينا أعمالنا ثم يجازينا عليها، فمن وجد يومَ القيامةِ خيرًا أعدَّه الله تعالى له، فليحمد الله على أنْ هداه للإيمان ووفقه: لفعل الخير، وإن وجد شرًّا فإنما هو حصادُ عملِه، فهو الملوم المؤاخذ فلا يلومنَّ إلا نفسه.
اتباع:
* إياك والظلم فإنه ذنب من أكبر الذنوب، فإذا ظلمت إنسانًا فسوف تجد لهذا الظلم أثرًا وعقوبة في الدنيا وفي الآخرة.
* اعلم أنك اهتديت للإسلام بتوفيق من الله تعالى، وليس لأنك ذكي أو عاقل، فكم من أُنَاس من عباقرة العالم ومفكريه، لم يهديهم الله تعالى للإسلام فعاشوا وماتوا على الكفر.
* لا تجعل دعائك لله تعالى قاصرًا على أمور الآخرة فقط، فإن الناس محتاجون لله تعالى في الدنيا والآخرة.
* اعلم أننا أُطْعِمنا وكسينا بفضل الله تعالى وتكرمه علينا، فلو شاء الله تعالى لمنع عنا الطعام وحرمنا اللباس، ولو فعل ذلك لم يستطع أحد في الكون إطعامنا أو كسوتنا.
* الله خلقنا لنطيعه، وسخر لنا الليل والنَّهار لنعبده فيهما، ومع ذلك فكم نفعل الذنوب في وضح النهار أو ستر الليل، فلنصلح ذلك بالاستغفار الدائم والعبادة المستمرة.
* إن الناس محتاجون إلى الله تعالى وهو غني عنهم وليس بحاجة إليهم، فلو أن الناس جميعًا أطاعوا الله تعالى؛ فإن الله تعالى لن ينتفع منهم بشيء، ولو أنهم جميعًا عصوا الله تعالى، فإنهم لن يضروا الله تعالى شيئًا.
* إذا سألت الله شيئًا فلا تبخل على نفسك في السؤال، واسأل الله تعالى واطلب منه كل ما في نفسك، فإن الله تعالى لو استجاب لجميع الخلق دعاءهم، وحقق أمانيهم، فإن ذلك لن يضر الله تعالى شيئًا.
* أعلم أن الله تعلى لن يظلمك في الآخرة أبدًا، فإذا وجدت شرًّا؛ فإنما هو منك وبسبب عملك، فإن الدنيا مزرعة الآخر، فإذا زَرَعت في الدنيا خيرًا؛ ستجده يوم القيامة خيرًا، وإذا زرعت شرًّا ستجده شرًّا.