46 - الغلو والإثقال على النفس

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»

فقه و اتباع

فقه

1- ذكر النبي ﷺ أن الدين الإسلامي دين يسر وسهولة وتخفيف على أهله، وإذا قارناه بالشرائع السابقة؛ سنجده أيسرها وأخفها، فإن بني إسرائيل كان في شريعتهم أنه إذا أذنب أحدهم ذنبًا وأراد أن يتوب منه؛ فيجب عليه أن يقتُل نفسه، وإن لم يفعل ذلك فلن تقبل توبته. إذا كان أحدهم يلبس ثوبًا وأصابته نجاسة؛ فيجب عليه أن يقطع القطعة التي تنجست. أما في الإسلام فإن التوبة تقبل بمجرد الاستغفار والرجوع إلى الله تعالى، ونظافة الثوب الذي تنجس تكون بغسله فقط. وهذا يدل على يسر الإسلام وسماحته ورفقه بأهله.

2- ولن يتشدَّدَ أحدٌ في أحكام الدين ويَدَعَ الرِّفقَ فيه فيَتعنَّت ويُلزِم نفسه فوقَ ما يستطيع؛ إلا عجَز وانقطع، فمهْما تمالَك نفسه وساعدته قُوَّته في الصَّبر على ما ألْزَم به نفسه إلا أنه سيَمَلُّ ويعود إلى اليُسر مُرهَقًا.

3- ولهذا لا بد من المقاربةُ في الأعمال، وهي: أننا إنْ لم نَستطِعِ الأخذَ بالأكمل فعلينا أن نسعى إلى أخذ الأقرب، وينبغي علينا السِّداد في العمل، وهو التوسُّطُ بين الإفراط والتفريط. فقد أمرنا النبي ﷺ بالتوسط، فلا نكون متشددين ولا متساهلين في العمل؛ لأن عاقبة التساهل والتشدد كبيرة.

4- ثم بشر النبي ﷺ أمته، وأوصاهم أن يستبشروا بالخير؛ فإن الله تعالى لن يخزيهم في الآخرة، وسيجازيهم بالخير العميم والأجر العظيم.

5- ثم أرشد النبي ﷺ أمته إلى أفضل أوقات الطاعات والعبادات، وأوصاهم أن يغتنموها وأن يتقربوا فيها إلى الله تعالى، وهي أوَّل النَّهار، وآخره، كما حثَّهم على العبادة في أحبِّ الأوقات وأفضلها، وهي العبادة في آخرِ الليل.

اتباع

• إن الله تعالى فرض العبادات بحسب طاقة الإنسان، فلم يكلف الإنسان بشيء لا يستطيع فعله بل كلُّ الفرائض راعى فيها الله تعالى قدرة الإنسان واستطاعته.

• إذا أردت أن تنظر إلى تخفيف الله تعالى على عبادة ومراعاة أحوالهم فانظر إلى الصلاة، فقد كانت أول ما فرضت خمسين صلاة، ثم خففت وصارت خمس صلوات، وراعى الله تعالى حال المصلين، فإذا لم يستطع المسلم أن يصلي وهو واقف جاز له أن يصلي وهو جالس، وإن لم يستطع أن يصلي وهو جالس؛ جاز له أن يصلى برأسه وهو نائم.

• لا يجوز للإنسان أن يتشدد في دين الله ويُوجب على نفسه ما لم يفرضه الله عليه، فالتشدد في الطاعات تنطعٌ.

• إن الله تعالى جعل الإسلام وسط في كل شيء، ولن تعرف وسطية الإسلام إلا علمت أحوال الديانات الأخرى.

• يجب على المسلم أن يستبشر ويرجو الخير من الله تعالى، فإن الله تعالى قال في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي" فإذا ظننت بربك خيرًا وجدت منه الخير، وإذا ظننت به سوء فستجد ما كنت تظن.

• يجب على المسلم أن يوزع أعماله على مدار اليوم، ويستغل أفضل أوقات العبادة، فإن ثواب العمل فيها أفضل من غيرها.

• على الإنسان أن يختار أوقاتَ نشاطه في عبادة الله وطاعته، فإذا أحسَّ من نفسه الكسلَ أو الفتور يَرقُد ويرتاح، ثم يستأنفُ حين ينشط ويقوى. 

• التمسُّك بسُنَّةِ النبيِّ ﷺ خيرٌ من الزيادة عليها، فالصومُ والفطرُ والقيامُ والنومُ خيرٌ من صيام العام كله وقيامه، ولهذا قال ﷺ للنفر الذين استصغروا عبادة النبيِّ ﷺ وأرادوا الزيادةَ عليها:

«أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»

[1]

المراجع

1. (رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401).

مشاريع الأحاديث الكلية